السبت، 10 يوليو 2010


مذكرات مبشرة انكليزية في دمشق في النصف الثاني من القرن التاسع عشر

الحي المسيحي في دمشق في النصف الثاني من القرن العشرين
عدد المسيحيين في دمشق حوالي 20,000 ، ولكنهم مقسمين إلى طوائف كثيرة ، والحب قليل بين أفراد من مختلف الكنائس : ولكن شيئا واحدا موجود في جميع الدمشقيين ، سواء كانوا من المسيحيين واليهود ، أو المسلمين ، متحدون ، في إعجابهم وفخرهم بمدينتهم ويرون أن لا مدينة أخرى تقارن بها
كما أننا نلاحظ عند كل الدمشقيين , وبشكل خاص عند المسحيين قدر من الدماثة , وفعلا , نقارنهم أحيانا بالأوربيين .
ولديهم عادة إلقاء خطب جميلة لبعضهم , ويتبادلون المجاملات كما يفعل الباريسيون , وهذا صعب على الانكليز أن يتقبلوه فهو غير هين لأجنبي لا وبل لمختلف أبناء البلاد من مناطقهم المختلفة ليتعلموا ألفاظ المجاملات وإجاباتها , ونحن نريد أن نتواصل مع الناس لذا فعلينا أن نبذل الجهود .
في القرى الجبلية تكون حياتهم خارج أبواب بيوتهم , وعندما نعبر الطرقات تستوقفنا امرأة راجية أن تستضيفنا في دارها , ويمكن للمرء أن يتنقل من دار لدار.

في دمشق وكمدينة إسلامية , فالأبواب مغلقة , وحتى نقرع الباب وجب أن يكون لنا شكل من المعرفة مع الأسرة . وعندما نقرع فإن الباب لن يفتح مباشرة , الخادم سينده من هذا ( مين هاد) وربما احد سينظر من ( مندلون) فوق الباب ليرى.
كثير من المسيحيين بيوتهم جميلة ومرتبة , مع بعض وسائل الحياة الأوروبية المريحة , ستائر زجاج النوافذ من الموسلين الأبيض , وصندوق العرس ( البيرو) أو حجرة الملابس التي بدأت تحل محل صندوق العرس, وبعض البيوت بدأت في استعمال الطاولات والكراسي للطعام في بعض المناسبات , وبعض البيوت تناول الطعام على الطاولة بشكل دائم .
الطبخ الأوروبي لا يبدو بأنه سيأخذ طريقه إليهم , فهم يفضلون أطباقهم مع أنها شاقة وعسيرة التحضير وهم يعتبرونها ألذّ مذاقا , مثل ( الكبه ) , أو اللحم الذي يسحق بمدقة قوية لفترة طويلة , وبعدها يمزج مع البرغل (القمح المكسر) والصنوبر واللحم المفروم ومن ثم يمد في وعاء نحاسي كبير , اعد لهذا الغرض , يغطى بالزبدة المحلية (السمن العربي) ويخبز في الفرن , وهذه أكثر أكلاتهم المفضلة . ولا يضارعه إلا (الكوسا) حيث يفرغ نخاع الخضراوات وتملا بالرز واللحم المفروم , وتطبخ باللبن الحامض , وهو الحليب المخثر , وممكن أن تعد بالبندورة
بالطريقة ذاتها .
الخضراوات , كالسبانخ , الهليون , القرع , الملوخية والقراصية , وبعض جذور الشوكيات المعينة , نادرا ما تطهى وحدها وإنما تخلط باللحم المفروم .
خروف الربيع شهي , ويطهى بطرق متعددة , يحشى ويشوى في الفرن بشكل بسيط أو يسلق , وأحيانا يطهى باللبن الخاثر المغلي مع البصل والبهارات مع أن هذه الطريقة لا تبدو صحية , لحوم البقر والخنزير لا تؤكل أبدا في دمشق لا عند المسلمين ولا عند المسيحيين , يأكلون لحوم الطيور والدجاج والعصافير , ولكن شريطة أن تذبح بسكين , ولا يسمح بأكل المخنوقات , وخلال الصوم الكبير عند النصارى ممكن للناس أن يأكلوا الضفادع المقلية
الكثيرون من نصارى دمشق , لديهم خادمة أو أكثر , وفي الأعياد , وكما شرح لنا , الحاجة إلى المعونة أكثر ومعظم النساء المسيحيات لديهم انشغال دائم بشؤون المنزل ، وبصورة عامة الأب أو أحد الأبناء يتولى إحضار الاحتياجات المنزلية من الطعام سواء من السوق أومن الشارع أو من الدكاكين والضرورات اليومية هي اللحوم والخضار الطازجة .
وكل ربة منزل جيدة لديها بيت مونه مجهز يلبي معظم احتياجاتها اليومية , الحنطة للخبز ، والزيت للطبخ , والزبيب والتين اليابس , البرغل أو الحنطة المطحونة , الرز والسكر والقهوة , والخ ........
والقمح يخزن بصناديق خشبية عالية تصل إلى السقف وضيقة ولها فتحة في الأسفل تسد بكرة قماشية .وعندما تشعر أم سليم أو أم حبيب , مدبرة المنزل , نقص في احتياجاتها من الطحين , تستخرج كمية من الفتحة السفلى
وتقوم بنخله بمنخل لتخليصه من الأحجار والغبار وتكرر هذه العملية بعناية وبشكل شديد المهارة ومن ثم يوضع في سلة , ويغسل بإنزاله بماء الينبوع عدة مرات , وبعدها ينشر على السطح في الشمس لثلاثة أو لأربعة أيام حتى يجف تماما , ليأخذه أحد رجال البيت إلى الطاحونة لطحنه وطبعا يراقب عملية الطحن عن كثب ليلاحظ الفاقد في عملية الطحن .
بصعوبة شديدة أتصور البيت كمكان إقامة جبرية في مدينة عظيمة كدمشق , فلا توجد حدائق جميلة حوله ، ومطبخه صغير غير مريح , فالغسيل يجب أن يتم في المنزل , وتجفيفه على السطح , خضار مختلفة يجب إن تعد للشتاء تجفف على السطح , السجاد والحصر تحتاج للتنفيض والتهوية وأيضا على السطح , وعندما ننشد هواءً منعشاً فالبعض منه موجود على السطح , وعندما نريد أن نمارس بعض التمارين سنجد في السطح ملاذاً لنخرج من الضيق , والشوارع القذرة في الأسفل , وعندما ينشغل الجميع ويعج البيت بالضجيج والصخب وننشد الهدوء , ننسل وحيدين إلى السطح .
في دمشق , دالية العنب تتوضع على زاوية في السطح وترمي بظلالها اللطيفة على المكان , الدرج الذي يقود من ارض الديار إلى السطح حجري , ولكن في القرى الجبلية تكون أدرا السطح خارجية , ومن المألوف أن يصعد الرجل إلى سطح داره ليعلن عن فقدان حمار أو حصان ، أو يرسل مناديا يدور ويعلن في القرية عن الفقدان , علّ أحداً يعيده إليه ، وفي القرية قد يصدر مندوب الحكومة أوامره من السطح , فالسطح وسيلة خطاب . وفي فصل الصيف حيث تشتد الحرارة, يغدو السطح مكانا محبباً بعد الغروب , فالنساء والأولاد والصبايا واليافعين يصعدون إلى السطح ليتمتعون بالنسمات اللطيفة , وبعض الأسطح محاط بدرابزين خشبي , وبعضها لا . ولا يخلو الأمر من حوادث مؤسفة كأن يفقد الناس توازنهم أثناء اللعب ليسقطوا إلى الساحة السفلية فيموتون أو يصابون بأذيّات سيئة .
أم حبيب تنتمي إلى أسرة معروفة , واليوم عيد القديس ميخائيل وابنها الأصغر ميخائيل يعد النراجيل للزوار , وهنالك طبق كبير من مربى الخوخ وهو من المباهج التركية . وإلى جانبه مجموعة من الصحون والملاعق والشوكات وكل زائر يخدم نفسه , ويبث أمنياته لميخائيل أن يسعد بفرح ميخائيل لأنّه غير متزوج , وزوارها يترددون عليها طوال اليوم
, ويؤسفني القول أنني عندما حاولت اكتشاف ما يعرفون عن القديس ميخائيل أو أي من القديسين في الكتاب المقدس كانت معرفتهم قليلة جدا .
وفوجئت ودهشت أنهم يتهموننا بإهمال واحتقار القديسين وعدم السير على خطاهم وهل المطلوب أن نضيع يوم أو يومين في كل أسبوع للاحتفال على شرفهم.
وبينما نحن في الاحتفال يأتي ساعي البريد , على حمار ابيض صغير ليسلم رسالة . وهذا البائس مع مساعد واحد عليه إيصال الرسائل إلى كل المدينة . وحل السرور الكبير من الرسالة ودهشنا أن الرسالة معنونة باسم طفل يبلغ أشهراً من العمر وهو ابن أخ لميشيل فأوضحت لنا أم حبيب انه الرسالة من ابنها الأكبر الذي سافر في عمل منذ عدة أسابيع ولما كان من المعيب أن يرسل رسالة لزوجته فقد أرسلها باسم ابنه , وكانت الزوجة الصغيرة مبتهجة لمعرفة أخبار زوجها الذي غاب عنها طويلا , فأخيرا وصل إلى القدس وكتب انه سيعود قريباً .
كانت تهز ارجوحة الطفل باعتداد ، الطفل الذي لم يره أباه , كما كانت تخبر الضيوف , وخلال حديثها أنها تذكر زوجها بقولها "سيدي" , هذه الكلمة لاحظنا أنها شائعة الاستعمال في هذه الأيام , في طريق عودتنا إلى البيت كنا نتأمل الكنيسة اليونانية بناء كبير ولا يعتبر تحفة هندسية يفخر بها مع انه رحب وشامخ , القسم السفلي معد للرجال ، والنساء يدخلن خلف حاجز مختف , وفي الشارع لاحظنا أن الرجل وزوجته لا يسيران جنباً إلى جنب بل يسير الرجل أولاً وتتبعه المرأة المحتجبة بمسافة , في دمشق لا يمكن لامرأة أن تجازف بالخروج دون أن تلف نفسها بإزار أو قماش ابيض والذي يغطيها من الرأس إلى أخمص القدمين ووجهها مغطى بمنديل أو محرمة ملونة من الموسلين .
النساء لا يعتقدن انه من الضروري أن يمارسن بعض التمارين في الهواء الطلق كما نفعل نحن في انكلترا , فليس من المستحسن للمرأة أن تكثر الخروج من بيتها . وفي هذا تضييق حاقد هدفه أن تكون المرأة عبده لزوجها , وهذا من الأمور المؤلمة في دمشق .
ألبسة كنة أم حبيب كانت زاهية , وجميع السيدات في دمشق يفضلون الألوان الزاهية , وأثمانها غالية , ربما لإغاظة أزواجهن . ولكن علينا أن نتذكّر أنّ الألوان الزاهية مناسبة لمناخ الشرق , ولكن أن يزينّ عقولهنّ خير لهنّ من
تزيين ملابسهن.
النساء المتزوجات , يتزينّ بالورود فوق الشعر بالمناسبات ويبهرننا بكميات المجوهرات التي يعرضنها , ولكن علينا أن نتذكر أنّ الرجال لا يدخرون أموالهم في مصارف بل يحولنها إلى حلي لزوجاتهم , التي لا تستطيع التصرف بها وعندما يتورط الرجل بدين تكون حلي زوجته في يده .
نسبة النساء اللواتي لا تتزوجن في الشرق قليلة جدا , ولكن في المدن الكبيرة ممكن العثور على عدد من النساء العوانس .
وهن يعتمدن على أقاربهن , أو يسعين لكسب معيشتهن ببعض الوسائط، وهناك العديد من النساء الأرامل ولديهم أطفال بحاجة إلى الدعم , لذا وجب على الوالدين تعليم بناتهم بعض أنواع التجارة منذ طفولتهن , فتكون لهنّ عوناّ عند الحاجة , فعدد محدود يجدن وظيفة كمدرسة في مدارس مختلفة كالبروتستانتية , اليونانية , الكاثوليكية , والتي افتتحت للبنات خلال العشرين أو الثلاثين عاما الأخيرة ، ولكن وبالطبع لا نساء موظفات في الخدمة في المحلات , ولا في المكاتب العامة , كما في بريطانيا , فإنّه ليس من السهل على أي امرأة أن تجد أي وظيفة عامة.
والنساء الفقيرات جداً يعملن كخادمات , أو غسالات , واللواتي ليست لديهن إمكانيات متواضعة يعملن بنشر الحرير.
بعض النساء تكون من الذكاء بحيث تعمل في تجديل ( تخريج ) المعاطف الرسمية التي يرتديها "القواصون" أو موظفي الخدمة للقناصل أو المصارف , وهي تصنع من القماش الأحمر أو الأزرق وتغلّف بخيوط ذهبية وتصنع فقط من قبل النساء اللواتي يجدن هذا النوع من العمل .
الأخريات موظفات في صناعة الألبسة العسكرية للجنود , وهناك عدد موظف من قبل الخياطين , الذين يعطونهم أعمالاً يقومون بها في منازلهم لا في محلات , ولعل أفضل الأعمال التجارية التي تدرّ ربحا في الوقت الحاضر بالنسبة للنساء هو الخياطة وهو من الأعمال التي تمسكها النساء المسيحيات , ولديهم الكثير مما يستطيعون تقديمه
للسيدات المسلمات واليهوديات الذين نادرا ما يخيطون الألبسة الخاصة بهم .
بعض الفتيات الصغيرات يكسبن بضعة قروش من العمل في تقليم شرائط الكروشيه التي تغطي الأرائك أو بتطريز شانيل الأحذية الرمادية التي تلبس غالبا في الصيف .
الرجال وبطبيعة الحال , موظفون قي أشغال وحرف مختلفة , يذهبون إلى المدينة في الصباح ويعودون إلى منازلهم عند الغروب , بعضهم نساجون وبعضهم حمالون إلى جانب بعض الأطباء والكيميائيين وعدد محدد كتّاب لدى الحريم وهو غالبا ما يفضله المسيحيون ، والبعض محصلي ضرائب . والوظيفة أمان للرجل المستقيم والضرائب شعور مقيت للمزارعين والناس تنوء تحت وطأتها , وتبقى الحكومة فقيرة بسبب نظام التحصيل ، والأموال تتوارى بطريقة غامضة , الآخرون حلاقين ولا يقتصر عملهم على قص الشعر وحلاقة الذقن فعند الحاجة يتعداه إلى الحجامة وقلع الأضراس .

الأحد، 4 يوليو 2010

حكايا شامية - حكاية البنت والقاضي


من مذكرات السيدة ماكنتوش التي عاشت في مدينة دمشق , كمديرة للمدرسة البريطانية ودخلت الى الكثير من بيوتها وتعرفت عن قرب الى اهلها وعاداتهم وحفظت وصفات مآكلهم وروت ذلك في كتابها ( الشام واهلها ) ومن الطريف انها حفظت بعض الحكايا التي تروى ومنها الحكاية التالية التي ترويها بلغتها كما سمعتها وارويها بلسان المرحومة امي تغمدها الله برحمته :
The Girl and The Kadi.

“Once there was a little girl, who bought a very little house; and while she was sweeping it, she found a very little coin. Then she bought a little dibs (molasses), and put it on a shelf; but there came a little fly, and drank it all up. So the little girl went to the Kadi, and complained of the little fly, and said, “O Kadi! Judge rightly, or may your eyes be blinded.”

“Then the Kadi called, and said, “Depart, you foolish and shameless girl; for you have spoken impolitely to the Kadi.”
“Said the little girl, “I will not go, until you give a righteous decision.”
“Then said the Kadi, “Tell me all your case.”
“So she began:
‘ “O Kadi great, I am very small!”
Said he, “Tis because you are not tall.”
“O Kadi, I bought a little house.”
Said he, “Big enough; you’re as small as a mouse.”
“O Kadi, I swept it with all my might.”
Said he, “No doubt it was clean and bright.”
“O Kadi, I found a coin so wee.”
Said he, “ ‘Twill be for the Kadi’s fee.”
“O Kadi, I purchased dibs so sweet.”
Said he, “For a sweet girl, that was meet.”
“O Kadi, I placed it on the shelf.”
Said he, “You are keeping it for yourself.”
“O Kadi, the little fly, one day,
Flew down, and took it all away;
And now I come to plead my cause,
I beg you judge her by the laws.”
Said he, “Whene’er you see a fly,
I bid you smite it till it die.”
The Kadi’s words were hardly said,
When she espied upon his head
A little fly, who gravely sate
Upon the Kadi’s shaven pate;
So taking the slipper from her foot,
The Kadi’s head she fiercely smote,
Saying, “Whene’er you see a fly,
I bid you smite it till it die!”
The Kadi groaned with smarting pain;
When she her slipper raised again,
To smite a fly upon the pate,
Of the Kadi’s grave associate.
The Naieb grave now sued for grace,
And said, “Whate’er adjoins my face,
Is mine by heritage and right,
And you have no legal right to smite.
But in the noble Kadi’s name,
I’ll give you justice all the same.”
Then filling her hands with shining money,
He sent her home to eat bread and honey.’

حكاية البنت والقاضي
اما الحكاية فكما سمعتها من والدتي رحمها الله وغفر لها من ضمن حكاياها الكثيرة المثيرة الرائعة
كان في فريره
آعده على شط النهيره
لئت فليس
اشترت في دبيس
حططهن عالرف
اجت دبانة
لحس لحس لحس لحستن
آلت الفريره والله لاشكيكي لسيدنا الآضي.........
راحت لعند الآضي
آلتلو
ياسيدنا الآضي انا فريره
أللا تشرفنا
كنت آعده على شط النهيره
آللا: تسيرنتي
لئيت فليس
آللا: زنكلتي
اشتريت في دبيس
آللا: تمونتي

حططهتن عالرف
آللا : ترتبتي

اجت الدبانة
لحس لحس لحس لحستن
آل الآضي لعنة الله عليها
وين ماشفتيها شلحي بآبك وسفئيها
آمت الدبانه هدت على دئن سيدنا الآضي
شلحت الفريره البئآب بدها تضرب الدبانه
طارت الدبانه و اجت البئآبه على دئن سيدنا الآضي ..............
إلى هنا تنتهي حكاية أمي ولكن السيدة الانكليزية اخترعت نهاية سعيدة للحكاية
فالقاضي سامح الفتاة وملا يديها بالمال وأعطاها عسلا وأرسلها إلى بيتها لتأكل الخبز والعسل .

الجمعة، 2 يوليو 2010

الحي اليهودي في دمشق في النصف الثاني من القرن التاسع عشر - الشام واهلها مسز ماكنتوش







ا

الحي اليهودي بدمشق في النصف الثاني من القرن التاسع عشر




يبلغ عدد يهود دمشق 5000 أو 6000, يعيشون في حيهم الواقع إلى الجنوب من الشارع الذي دعي يوما بالمستقيم , عدد قليل من الآثار القديمة لا تزال في حيهم وقد قرأنا انه ومن زمن إهاب بن إسرائيل أن لهم ممتلكات في المدينة , وفي الوقت الحاضر,وآسفة للقول إن الحي اليهودي أقذر مكان في المدينة وعندما نضطر إلى زيارة احد أصدقائنا من اليهود , يتعين علينا اختيار ممرات بين أكوام الخضار وجميع أنواع القمامة , والروائح التي تضر بالصحة ولا تشجعك على الزيارة.
في مدخل حي اليهود ( القشلة ) أو الثكنة التركية وبالمناسبة يترتب علينا أن نزور حانوت الكتاب المقدس المرتبط بالجمعية للتبشير بالمسيحية بين اليهود



,وعندما نعبر في الطريق حانوت جزار,وعند الجزار بعض الرجال يجلسون فوق كراسي صغيرة وينهمكون بما هو أكثر من اللحوم, يوطدون الأواصر بينهم , لنصل بعدها إلى منازل أثرياء اليهود وعندما ندخل بيوت اليهود نصدم للوهلة الأولى ,الهدوء الشامل, و الفخر و العجرفة عند العديد من أصحابها ولكن لطفهم ودماثتهم يغير الوضع , فهم وأجدادهم يعيشون هنا منذ قرون , والحي مستعمرة صغيرة محاطة بالمسلمين المتعصبين من جهة , ومسيحيي الكنائس الشرقية من جهة أخرى , وهؤلاء ينظرون إليهم بوصفهم مشركين ,ويسعون إلى الاستيلاء على ممتلكاتهم ,أزياؤهم كالدمشقيين مع اختلاف قليل , ويتحدثون اللغة العربية , وممكن أن يقال عنهم أنهم سوريون أصليون , وهم يختلفون عن يهود القدس الذين أتوا من أصقاع مختلفة , وبأزياء ولغات متعددة .
نستغرب عند دخول منزل احد الأغنياء من المصرفيين , ونجد أنفسنا في ارض باحة زينت بالحجر والرخام ورتبت بلونين, نافورة ماء كبيرة في المنتصف ,وغرف الاستقبال مرتبة ومزخرفة إلى حد كبير جدرانها وسقوفها وفرشها فخم ورائع تبعا لذوق صاحب المنزل , مع جزيئات أثاث شرقية غربية .


هنالك العديد من الغرف , في الطابق العلوي والسفلي وفي بعض غرف النوم يوجد مفارش فرنسية بـ رفاسات, مع الناموسيات الجميلة ومفارش الأسرّة والوسائد التي تكون أحيانا من الحرير , ولكن لا يوجد ستاند لوضع الغسيل , وإذا زرنا هذا الحي في يوم عيد , أو في يوم سبت , سنجد النساء متألقات بثيابهن وحتى الفتيات الصغيرات , متزينات بفساتين بقبة عالية زينت بالزهور أو الجواهر , كثير منهم يقفن على الأبواب أو يراقبن من النوافذ , ويمارسن النميمة بطريقة غريبة في بلد إسلامي



والفتاة التي لا تنصاع للمشاركة بهذا السلوك تتعرض للسخرية والاستهزاء من أترابها, فهل ليس لديها أموال لتنفقها على الألوان والعطور؟ أم أنها تريد أن تصبح راهبة؟,
ولاحظنا أن كل النساء يرتدين الشعر المستعار منذ يوم زواجهن, ليخفين شعرهن, وحتى لو أن لهن شعورا جميلة وطويلة
أنا أؤمن وعلي قول هذا ,فلا رجل يهودي يشارك في حراثة الأرض , ويبدو أنهم يحتقرون الزراعة.
الرجال الأغنياء جميعهم من الصرافين أو المصرفيين , ومرابين بفوائد عالية , أنهم يخشون كسر السبت بإضاءة مصباح أو إشعال نار أو نتف وردة ,وتصم آذانهم عن كل الكلام المقدّس ضد الربا , ولم نسمع عن أي قرية تعود لليهود , فهم يكتفون بإقراض الفلاحين الفقراء , المكبلين بالضرائب , وبفوائد فاحشة , ومما يؤدي في النهاية لان تؤول القرية كلها في أيديهم لعدم القدرة على السداد .
ومنهم تجار لديهم حوانيت صغيرة , وفي أيديهم رأس المال ويديرون صفقات جيدة . أما الأكثر فقراً فهم يخرجون للتجارة مع القرى , يمشون مسافات طويلة ويحملون أمتعة ثقيلة على ظهورهم ( خرج) الخ.... ويعودون يحملون بعض الخرق أو العظام القديمة , طيرين أو ثلاثة أو سلة بيض , ليبيعوها في المدينة ,وغالبا ما يسيطر عليهم الخوف والرعدة في رحلاتهم , خشية السرقة لسفرهم وحيدين , وبالتأكيد أنهم رائعون وحاذقون لإيجادهم طرقا لاكتساب المال .


العدد الأكبر من النساء اليهوديات ينفقون بحماقة ويعشن بلا هدف وينصرف تفكيرهن إلى الألبسة والمتع والتمتع يحتفظون بالعديد من الخدم ويقضون أكثر أوقاتهم في التدخين في هذا البيت أو ذاك ، أو في زيارة الحدائق لعامة وأماكن التسلية , وتقريبا كل المغنيات في دمشق يهوديات , وينظر إليها على أنها مهنة محترمة , وبعض السيدات يتصفن بالهدوء والتعقل , في إدارة شؤون منازلهم وجميعهم تقريبا يسمحون لأولادهم برخص كثيرة , والكثير من النساء الفقراء والأولاد يكسبون المال من التطريز الأصلي لنوع يسمى ( أغباني ), وصنع الكعك , وهن ماهرات في صنع الكعك ومربيات الفاكهة .
واليهود يعتنون كثيرا بمظاهر احتفالاتهم الدينية . قبل غروب يوم الجمعة , المحلات جميعها مغلقة , والطعام معد , والمصابيح مضاءة , والنار موقدة , وكل الأعمال توضع جانبا حتى غروب الشمس في يوم السبت , والجزء الأكبر من اليوم يقضى في النوم والتجول من بيت لبيت , وممارسة القيل والقال .

يواظب الرجال على تأدية العبادات في الكنيس , وبعض النساء المتزوجات تتنقل بين الأبواب والنوافذ , في محاولة للحصول على منظر ما , هم لا يعرفون شيئا عن العبرية , ولا يترتب عليهم عبادات , وكثير من الرجال الأغنياء لديهم كنيسهم الخاص في بيوتهم , ولكن حتى في الكنيس المنزلي الخاص فغير مسموح للنساء والفتيات بدخوله وقت العبادة , وسيخبرونك بأن الرجال يؤدون العبادات بالنيابة عنهم.
بعض المنازل تطل على الحدائق , التي تحاط بها المدينة , ولاشيء سواها يلفت النظر في هذا القسم , بعض أغنياء اليهود لديهم بيوت ريفية , في القرى المتوضّعة على ضفة بردى , وتبعد نحو أربعة أميال عن دمشق .
مع هؤلاء الناس هنالك أشياء مثيرة للاهتمام وأشياء محزنة.فكل ما حولك أصوات تحمل أسماء الكتاب المقدس : يعقوب , موسى , استير , رفقه أو ربيكا ولكن قليلا ما أخشى , فهم يجهدون للسير على خطى القديسين القدامى وكل مايتقنونه الوثنية وعبادة المال , أنهم دمثون جدا في الاحتفال الخارجي لكل أعيادهم وصيامهم .فقبل أسابيع من احتفالهم بأعظم أعيادهم الفصح , الرجال والنساء مشغولون ومنصرفون بالإعداد , فكل منهم وجب أن يكون له بدلة جديدة , والأكثر غنى من النساء والفتيات يحبون أن يكون لهم ثوب جديد قي كل يوم من أيام العيد السبعة , أفضل أنواع القمح يخبأ لكعك الفصح , والذي يحافظ عليه ويحمى من أي نوع من الدنس , فإذا ما رأته فارة أفسدته ولن يفيد أي نوع من الغسل لهذا الكعك المقدس .وقبل الموعد المحدد للعيد , يطحن ويحمل للنساء لتصنيعه كعكة مدورة بدون خميرة , بسماكة الكعكة السكوتلاندية


تطهر البيوت بعناية من أعلى إلى أسفل, ويشكل لا يترك لأي نوع من الخمائر وجود , والقادرون يشترون قماشا قطنيا جديداً على الأقل غطاء ابيض جديد لتغطية دواوينهم , والأفراد الغائبون يحاولون العودة إلى البيت لقضاء العيد مع والديهم , وهنالك توجه ذهني عند الجميع كبارا وصغارا فقراء وأغنياء للإعدادات قبل شهر تقريبا من موعد الاحتفال ولكن الأفكار عند أكثر المتعلمين والمتدينين اليهود لا ترقى إلى أكثر من الخلاص في مصر , وأخشى أن السواد الأعظم من غير المتعلمين كالنساء والأطفال لا يعرفون إلا قليلا عن قصة العهد القديم , ما لم يتعلموه في مدارس انكليزية

أخيراً عندما يأتي المساء , تتجمع كل عائلة , الأم والبنات غير موجودين , ولا يجتمعون حول طاولة الفصح , كما في الوجبات الأخرى , تقدم على طاولة صغيرة ويتحلّق الأب والأولاد حولها على الأرض أو على أرائك
العائلة يجب أن تكون أربعة أفراد وإذا صادف أن الرجل ليس لديه عدد كثير من الأولاد استدعى خادمه أو جيرانه ممن ليست لديهم أسرة , لمشاركتهم , ويلعب الأب دور الكاهن , فيتلوا هو وأولاده المقطع المعين من العهد القديم أولا بالعبرية وبعدها بالعربية .
الصلاة طويلة وعلى أربعة مراحل ويشرب كأس من النبيذ ,وفي هذه المناسبة التي نحضرها ,يوضع فخذ من لحم الضأن على الطاولة , وهناك تناقض في قانونهم , فقد قدمت لنا , عن حزنهم وأسفهم لعدم قدرتهم على تقديم تضحية الآن , لان هيكلهم دمر بهم . ويستمر العيد لأسبوع, النساء يجلسن بالبيت في بملابسهم الاحتفالية, تدخين وأحاديث استقبال زائرين, الرجال يذهبون من بيت لبيت, متمنين لكل أصدقائهم عيدا سعيدا. ويعتنون بالامتناع عن كل أنواع العمل وبشكل خاص في اليوم الأول والسابع.



عيد العنصرة , في نهاية موسم حصاد القمح , وبشكل عام يسود الهدوء هذا العيد , وعندما دعينا مع بعض أصدقائنا اليهود ,عيد لطيف , وفي البيوت وجدنا البيوت ملأى بالرجال النائمين والحركة مقتصرة على النساء, والرسالة توضح أن الرجال قضوا الليل ساهرين , يقرؤون قسما كبيرا من العهد القديم , وكما هم يعتقدون انه في ذلك اليوم أرسلت التوراة , على جبل سيناء أو وكما تعبر النساء أحيانا أنهم في ذلك اليوم تلقوا دينهم , ونحن ومنذ زمن طويل ننتظر أن نورا سيشع من العهد القديم والمعنى الحقيقي سيهبط إلى عقولهم المظلمة .


يصادف عيد الغفران في الخريف , بعد قطف العنب وخمسة أيام بعد العيد العظيم ليوم الكفارة , في باحة كل بيت ,تنصب خيمة , أو لعدة بيوت ,وهو وقت الابتهاج العظيم ,وكثير من الطرب العاصف , وكل هذه الأعياد التي تابعناها في دمشق , قد فقدت معانيها الدينية العميقة فالرجل يذهب إلى المعبد المقدس في القدس ليقدم الثناء والتضحية لله , ولكنه يقضي الوقت في مسكنه الخاص في السكر والعربدة ولكن ليس أمام الله .



عيد البوريم , أو سكب الكثير , تابعناه وكل الحي اليهودي يعيد صدى هذا اليوم بأصوات إطلاق العيارات النارية من البنادق والمسدسات , وعندما تسأل ما يعني هذا , ويخبروك , ( نحن نطلق النار على هامان ) ,وأيضا الأطفال الصغار يجب أن يأخذوا حصتهم من الابتهاج في قتل العدو في عرفهم , والكثير من إطلاق النار والمفرقعات والألعاب المتفجرة .

الكثير من المدارس لأولاد اليهود , ومؤخرا بدؤوا بإنشاء المدارس الداخلية , ولكن شيئا من هذا لم يقدم لبناتهم , اللواتي سيبقين تحت ظلال الجهل إذا لم يلتحقن بمدارس البروتستانت للروم الكاثوليك , والتي أنشئت منذ عدة سنين , ومن الغريب أن نقول , أن ما يدلى به من الصفات الخاصة للنموذج اليهودي , الشعر الداكن والأنف الطويل المقوس ¸هو غير معروف في دمشق .
الكثير من الفتيات اليهوديات في مدارسنا , جميلات , وأشكالهم متناسبة , والشعر فاتح والعيون زرقاء .
قد حاولنا في بعض الأحيان لاكتشاف ما إذا كان أي آثار القبائل القديمة تزال قائمة بينهم ،ولكنهم قالوا كل ما يستطيعون إخباره لنا أن بعضا من بعض هذه العائلات التي تنتمي إلى اللاويين لازالت تقوم على المهام اللاوية – وفورا يؤخذ المولود البكر إلى احد هؤلاء اللاويين ويضع بين ذراعيه وهو يكتفي بإعادة الطفل إلى والديه بعد استلامه مال الفداء منهم , ويتمتع الحاخامات ويمارسون بعض النفوذ بين الناس , وهم بشكل عام يطاعون عندما يمارسون الضغط بشأن القواعد المتبعة في يوم السبت : فربما يمنعون اليهود من الذهاب إلى القرى للنزهة في ذلك اليوم كما تعودوا أن يفعلوا , ويأمرونهم بالبقاء في حييهم, أو يرفعون احتجاجات ضد الإفراط في التدخين والكحول وهم غالبا محاطين باليهود أنفسهم لحساب التأخير في قدوم المسيح , وبعضهم يصرح بأنه يوشك أن يفقد الإيمان بمعلميهم , الذين يؤكدون انه سيأتي , وقد ثبت أن كلامهم دون جدوى , وبعضهم صرح , بأنهم بدؤوا يعتقدون بعد كل هذا أن المسيح المسيحي هو الحقيقي .