الخميس، 5 ديسمبر 2013

مئذنة الشحم بعيون ابناءها - نصر الدين البحرة

صورة مباشرة لحيّ دمشقي في الأربعينيات* ـــ نصر الدّين البحرة

في محاضرة القاها الاستاذ نصر الدين البحرة في مكتبة الاسد بدمشق في 29-12 1993, رسم فيها بقلمه الساخر خفيف الظل لوحة بانوراميةلعشقه المزمن دمشق الشام ودرتها مئذنة الشحم بدورها وشخصياتها وخصائصها .







حين غادرنا منزلنا في حي مئذنة الشحم –وهو في الحقيقة منزل جدي لأمي- كان المكان قد ضاق بنا تماماً، فقد كنا خمسة مع أمي، وسادسنا أخي الأكبر الذي كان قد تزوج منذ سنوات، وصار عنده ثلاثة أولاد. وفي المنزل إحدى خالاتي وزوجها وأولادها، وخالتي الأخرى وزوجها.. وجدتي.. وكان ثمة غرفة صغيرة في الأعلى احتلها شقيق جدتي أيضاً.. وهناك غرفة في الطابق المتوسط، أجّرتها خالتي الثانية لرجل وامرأته.. كانا جارين ظريفين لطيفين لا ثقلة لهما.‏
ولم ننتقل، كما صار يفعل الكثيرون، إلى دمشق الجديدة الغربية، فقد بقينا داخل المدينة القديمة، حيث لبثنا سنوات في ذلك البيت في حي القيمرية.. وكان في الأصل جزءاً من بيت آخر كبير، مؤلف من جزأين، كما هي حال البيوت الكبيرة، السلاملك والحرملك. ويبدو أننا أقمنا في السلاملك..‏
كان ذلك أواخر الأربعينات. ولئن كان كثيرون من أهل هذه الأحياء والحارات قد لبثوا قاطنين فيها.. فإن كثيرين أيضاً، تركوا دورهم، وانتقلوا إلى الأحياء الجديدة في المدينة، مخلفين المكان للقادمين من الريف، وخاصة أهل القلمون.. وقد نزل هؤلاء في تلك البيوت الشاغرة..‏
حتى ذلك الزمن، لم يكن شيء من معالم الحي قد تغير.. وإن تكن هوية السكان الاجتماعية، قد أخذت تتغير.. يومذاك لم أكن أتصور أن غيبتي عن حينا الأول، حيث مسقط رأسي، والغرفة التي ولدت فيها –وهي ما تزال على حالها حتى الآن- سوف تطول حتى تنوف على ربع قرن.. بل قل: أكثر من ثلاثين سنة..‏
صحيح أننا كنا نمر بالحي مرتين في الأكثر كل سنة، صبيحة اليوم الأول من عيد الفطر وعيد الأضحى، فنزور عمتي معايدين، ونشرب فنجان القهوة ونتناول الحلوى.. ثم نمضي. وأنا شخصياً، مرت بي ظروف قاهرة، منعتني سنوات حتى من زيارة قبر والدي في تربة الباب الصغير والمرور لتهنئة عمتي بالعيد، وهي التي كنت أشم منها وحدها رائحة المرحوم أبي..‏
ولكن هذه الزيارات جميعاً لم تكن لتعني أن الواحد منا، قد استطاع أن يعود إلى تلمس الحبل السري، أو أن يراجع الذكريات الغافية، الغائبة بعيداً في الزمان والمكان..‏ 




.. وعندما هاج بي الحنين ذات يوم إلى مرابع الطفولة، فقد كنت أعلم أن الأمر يحتاج إلى عدة زيارات. تماماً مثلما يحدث للحاج الذي يشعر بأن حجة واحدة لا تكفي..‏
وإذا كانت الأيام التالية، قد مكنتني من أن أمعن في البحث والتقصي، إلا أن انطباع الزيارة الأولى، ظل هو المهيمن والمسيطر على لحظاتي النفسية جميعاً.‏
أردت قبل كل شيء، أن أطمئن على معالم الحي العمرانية، ففوجئت بأن بعضها قد تغير تماماً، وكان ذلك قد حدث بالطبع، قبل السبعينات إذ شمل مرسوم أصدره الرئيس حافظ الأسد، دمشق القديمة داخل السور، بالحماية من الهدم.‏
وكان في الحي واحد من خانات دمشق القديمة، هو "خان النحاس"، وقد ظل حتى الأربعينات يقوم بوظيفة الخان التاريخية: الطبقة الأولى فيه اصطبلات للدواب ومخازن للبضائع.. والطبقة الثانية لإقامة النزلاء..‏
وأذكر أن أحد أركان الخان كان يشهد نحر الجمال، لتسلخ من ثم ويبيع لحمها جزارون خاصون في الحي.‏
.. ولقد نهض مكان الخان والدكاكين والحوانيت المجاورة جميعاً، بناء حديث ضخم، ألقى بظلاله الثقيلة، على كل المواضع التي كانت تشهد جزءاً هاماً من نشاط الحي التجاري: أبو شاكر الحلاق الذي كان أول إنسان في هذا الحي أضع رأسي بين يديه. وإن أنسَ لا أنسَ كرسيه الخشبي الأنيق، وتلك السنّادة الخشبية الضيقة المتطاولة التي تنزلق على مسننات حسب ارتفاع هامة الزبون، حتى إذا استقرت أرخى رأسه نحو الوراء مستريحاً على طراحة سوداء صغيرة. ويا الله.. كم كان يطربني صوت السنّادة وهي تنزلق.. في تكتكة لطيفة. وعند الباب كانت تتدلى حبال تسد المدخل تماماً، وفي كل منها قطع من الخيزران بطول إصبع صغير، وبين الواحدة والأخرى خرزة ملونة. وكان ذلك لمنع دخول الذباب إلى الدكان.‏
وكان أبو شاكر يرتدي قنبازاً حريرياً من نوع الصاية، ويلف حول وسطه زناراً، حريرياً هو الآخر.. مثلما كان بعض الرجال يرتدي في أواخر القرن الماضي ومطلع هذا القرن.‏ 

.. وغير بعيد عن أبي شاكر، كانت دكان أبي صادق، وقد حفلت برفوف خشبية على بعضها قطرميزات فارغة.. وبعضها الاخر كان شاغراً تماماً، إلا من القطط التي كانت تتناثر في جوانب الدكان..‏
حسبت في البدء أن أبا صادق بائع قطط، ولكنهم صححوا لي أنه من أهل الله، وأنه أخذ على عاتقه العناية بقطط الحي جميعاً.. وهناك من أجل الخير من يعينه في شأنه هذا. كانت دكان نجارنسيت اسمه، لكني أذكر أنه كان يُعنى بصناعة إطارات الصور: "البراويظ" وقد صنع لي مرة إطاراً صغيراً وضعت فيه صورة والدي الذي رحل منذ سنوات، ومازلت أحتفظ حتى الآن به.. وبالصورة ذاتها.‏ 





.. والتالي كان عجوزاً مقلع الأسنان لكنه يضع على رأسه عمّة من نوع "اللام ألف" الأغباني وينادي باستمرار على بضاعته من الفواكه بصوت متقطع متهدج. وكان متخصصاً ببيع الفاكهة البائتة التي حال لونها قليلاً وانزاحت قشرتها. ومن أجل الترغيب في شرائها فقد كان ينادي هكذا: "المعاين.. حلو" –والمعاين تعني الفاسد قليلاً-.‏
أما ابو فايز الزيبق، فقد اختص ببيع الفحم والدقّ للحي كله، وهما زاد المناقل التي كان الدمشقيون يفتنّون في صنعها من النحاس، الفحم يشعل في باحة الدار، في وعاء خاص يدعى "الشعالة"، في انتظار أن ينفث غاز الفحم السام ويغدو جمراً، وحينئذ يوضع الدقّ وتحته قليل من الرماد: "الصفوة" وفوقه الفحم المتوهج، فإذا ذوى وترمد، حان موعد اشتعال الدقّ. وكانت سهرات الشتاء تتم حول المنقل، وعليه أو في جانب من الجمر أو الدقّ تُغلى القهوة ويصنع الشاي.. وفي بعض الأحيان البطاطا.. وربما: البيض..‏
.. أما المدفأة، فكانت أكثر ما تستعمل عند الصباح، زادها الحطب، من خشب المشمش أو الزيتون.. على أن في الدار غرفة صغيرة يخزن فيها الحطب، منذ أوائل فصل الخريف. وكنت أرى الحطابين، يتجولون في أنحاء الحي، وأمامهم الجمال المحملة بجذوع الأشجار وعلى أكتافهم الفؤوس الحادة لتقطيعها.. وكانت هذه مناسبة جميلة لنا نحن الصغار، فنتجمع حول الحطاب، لنراه كيف ينيخ جمله على الأرض، وينزل الجذوع المربوطة بحبال على جانبي السنام.. ثم يبدأ تقطيعها وتكسيرها، قطعاً في حجم تستوعبه المدفأة.‏
.. أذكر أن أمي رحمها الله، كانت تغرينا بالاستيقاظ باكراً، بعد أن صحت قبلنا بزمن، بأن تقول: إنها أعدت لنا "حريرة" لا تزال حارة.. على المدفأة.‏ 

كان ذاك هو الجانب الشرقي من خان النحاس.. أما الجانب الجنوبي، المطل على الشارع الرئيسي، وهو جزء من الشارع المستقيم الممتد من باب الجابية حتى باب شرقي، فقد اختفى أيضاً بطبيعة الحال.. ولكن بعض شاغليه ما يزال في الذاكرة..‏
أولهم: أبو داغر التوتونجي، وكان هذا اسم بائع التبغ –وهي كلمة تركية: توتونجي بوجهه المهيب وشاربيه الأبيضين وقامته الباذخة وطربوشه الأحمر الطويل لا يفارق رأسه.. وإني لأراه وسط دكانه الصغيرة وأمامه تلك الرخامة البيضاء النظيفة..‏
.. يليه "طيفور" وإخوته.. باعة "العرقسوس".. وكان طيفور أحدب في أواسط العمر، وقد غطى شفته العليا شاربان كثان أسودان.. ولم تكن الابتسامة تفارق وجهه. أما السمان الذي يحاذيه فلست أدري لماذا كان اسمه: "أبو رسلان شرّ" مع أنني لم أره في أي موقف شرير على الإطلاق.‏
ومهما يكن من أمر، فإن مثل هذه التسميات كانت شائعة في حيّنا. فإن صاحب الفرن القريب، وهو من أكبر أفران الحي، كان اسمه "فتوش" وهي أكلة دمشقية معروفة. وثمة حمصاني عرفناه باسم "أبو الفار".. وآخر كان اسمه "أبو منصور الضبع"..‏
وهناك واحد من أقربائنا، كان يدعى "أبا ضلال" وبائع الخضار تحت الجامع اسمه "أبو عبده شدّو مطّو" وبائع المخلل قبالته سموه "أبو أكرم الزيق ميق". أما بائع "الغلينا" –وهو الذي يقلي كلاوي وبيض وكبد الخروف- فإن اسمه هو "مخ الشاكرية" وكانت إحدى رجليه مقطوعة عند الركبة، فينتقل بواحدة صناعية يعرج بها.‏
.. وبين الدكاكين التي كانت عند الجانب الجنوبي من الخازن دكان "أبو رعد". ولم يكن عنده شيء آخر سوى البيض المسلوق.. وبعض الخبز.. بلى: دكان بكاملها لبيع البيض والخبز فحسب.‏
.. ومن طريف الأمور أن أحد جيرانه كان رساماً، لكنه كان يبيع البن أيضاً. ولكن أي رسام هو؟ كان المرء يأتيه بصورة شمسية أو ضوئية –والتصوير الضوئي كان قليلاً في ذلك الزمن –فيغطي سطحها بمربعات متناهية الصغر.. ثم ينقل الملامح حسب تلك المربعات، إلى رقعة كبيرة، فوق حامل ثلاثي يحتل صدر الدكان، وبعد ساعات يعطي الصورة الكبيرة.. طبق ملامح الأخرى الصغيرة تماماً.. وفي الذاكرة وجهه البيضوي الأسمر، يتوسطه أنفه الأقنى، وتحته شاربان أسودان دقيقان وخطهما الشيب قليلاً.. وفوق عينيه نظارة طبية سوداء أنيقة. وكنت أشعر أن وجوده نشاز وسط تلك الأوركسترا الشعبية المتناغمة.. ولعل هذا هو السر في أن إقامته لم تستمر طويلاً في الحي..‏
بين المعالم التي تبدلت في الحي عدة أبنية متجاورة هدمت جميعاً، ونهض مكانها بناء حديث احتلته مدرسة ابتدائية.‏
كان ثمة كُتّاب أنشأه أحد أبناء الجالية الجزائرية التي هاجرت إلى دمشق في أواسط القرن الماضي، بعد أن نزح الأمير عبد القادر الجزائري واختار الإقامة في دمشق. وقد أطلق على كتّابه ذاك اسم "مدرسة الإرشاد والتعليم".‏
وفي أحد فصول الصيف، وضعتني أمي في هذا الكتّاب، وكنت قد أنهيت الصف الثاني الابتدائي.. ولكني لم أمكث طويلاً فيه.. وكانت الأمور تسير فيه، مثلما كانت قبل ظهور المدارس الابتدائية في دمشق: شيخ يشرف على الصف ثم يغيب.. وعريف، من صف متقدم يتولى تعليم التلاميذ. وثمة العصا الطويلة، والجلوس على حصيرة من القش على الأرض، ولوح الأردواز... الخ..‏
.. ومن الدور الملاصقة المهدومة دار البوارشي، وقد حول صاحبها جزءاً منها إلى مصنع صغير للسكاكر والكرميل. ومن أبناء هذا الرجل الصحفي السوري بشير البوارشي العامل في صحافة الخليج.. وكان شريكاً لنا، بل مموّلاً، لمجلة طلابية أنشأناها عام 1952 باسم "الشعلة" وصدرت منها عدة أعداد.‏
.. ودار الأرناؤوط. وكانت هذه نموذجاً ممتازاً للبيت الدمشقي، أعرفها جيداً لأن أحد أبنائها كان صاحباً لنا، رغم أنه يكبرني ببضع سنوات، هو المرحوم محمد الأرناؤوط: ينفتح باب الدار على دهليز طويل معتم يفضي إلى باحة الدار الواسعة، تتوسطها فسقية ماء تتدفق وسط مياه الطالع.. وفي جانبها الشرقي المطبخ والحمام ودورة المياه، وعند الجنوب تتصدر غرفتان بينهما ليوان "إيوان" تتوسطه مرآة أنيقة تدعى في دمشق "قنصلية".. وعند الزاوية الجنوبية الشرقية درج ينتهي إلى غرف الدار العليا المخصصة للمعيشة في الشتاء..‏ 
وفي الجهة الشمالية من الباحة كانت القاعة الكبرى. تدخلها من باب خشبي مشغول، فيواجهك ممشى ضيق، في نهايته فسقية ماء تنهل من الطالع ذاته، وعلى جانبها مصطبتان كبيرتان عاليتان.. في صدر كل منهما "كتبيات" خشبية مشغولة ومرسومة، وقد صفت عليها مزهريات الصيني والكؤوس الكريستالية والزبادي والكازات الزجاجية الأنيقة. أما السقف، فهو عجمي مشغول بعناية، ومزخرف بأشكال طبيعية نباتية.. وفي الحق فإن جدران الغرفة كلها كانت مغطاة بالخشب المزخرف، تتناثر في أنحائها أبيات شعرية مكتوبة بخط فارسي جميل.‏
وقبالة مدرسة الإرشاد والتعليم كان المدخل الغربي لدار نظام التي يجري ترميمها الآن.. وقد أذهلني يوم رأيتها في الثمانينات، أن محمصة للقضامة والبزر والفستق قد احتلت مدخلها.. أما الأقسام الأخرى، فقد كانت خربة مهجورة ينعق فيها البوم والغراب.. علماً أن هذه الدار الكبيرة قد أنشئت في أواخر القرن الثامن عشر، ولقد رأيت لها صورة حفر "غرافيك" وضعها فنان غربي زار دمشق في أواسط القرن التاسع عشر.. وبدت فيها باحة الدار الكبرى، وبعض غرفها..‏
ولم يكن هذا هو المصير المؤسف لدار نظام وحدها، فتلك هي دار "آل الكسم" ودار "آل الصواف" ودار "آل القباقيبي".. وسواها كثير..‏
وكانت هذه الدور جميعاً تطل على جادة ناصيف المنحدرة من مصلبة "مئذنة الشحم" باتجاه الجنوب.. نحو حي الشاغور.‏
وعند مطلع هذه الجادة كان جدار المسجد الشرقي –مسجد مئذنة الشحم- تواجهه تلك المئذنة التاريخية الجميلة التي أخذ الحي اسمه منها.. ويقال أيضاً إن الاثنين قبسا اسمهما، من "وليٍّ" كان في الحي ويدعى "الشحمي". وقد سمعت جدتي تتحدث مرة أ نها نهضت عند الصباح، واتجهت نحو البئر الكباس كي تتوضأ لتصلي صلاة الصبح، فإذا هي ترى هذا الولي بثياب بيضاء، فحياها ثم لم يلبث أن اختفى. قالت جدتي: إنها لم ترتعد أو ترتعش بل فرحت وتفاءلت واستبشرت.. فما أندر ما يظهر الشحمي أمام أحد.. وإن ظهوره ليؤكد أنها امرأة صالحة.‏
.. عند أسفل جدار الجامع كان اثنان من باعة الخضار، أحدهما المذكور آنفاً: "أبو عبدو.. شدّو مطّو" والثاني "جميل الفحام" وجزار يدعى "المشاعلي" –وربما كان جده من حملة المشاعل فاكتسبت الأسرة هذا الاسم –ثم.. "أبو سعود الدقاق" ومهنة "الدقاق" هذه من المهن التي انقرضت في دمشق، وكان صاحبها يدق "الكتكت" وهو قشر القنب.. يضع أمامه جذع شجرة غليظة قصيرة، ويدق عليه بفأس صغيرة ذلك القشر حتى يصبح نتفاً صغيرة تُخلط بمائع الكلس لتقويته ثم تطلى به جدران البيوت، فتخفي الطين من تحتها، وتكسب الجدران منظراً أبيض لامعاً.‏
وأود هنا أن أتوقف قليلاً لأتحدث عن المنزل الذي يلي هذه الدكاكين، لأنه نموذج آخر من بيوت دمشق. كان صاحب البيت هو الخباز "فتوش" نفسه، وقد دخلته كثيراً لأن صلة قربى تربطني بأهله، ولأن ابن صاحب الدار كان من زملاء الدراسة: ثمة خلف الباب الدهليز المعروف، ينحدر قليلاً، نحو أرض الدار، وهي صغيرة نسبياً، وفيها غرفة الضيوف والمطبخ والحمام ودورة المياه.. وفي جانب منها درج حجري طويل، تحته فسقية ماء صغيرة، يفضي إلى عدة غرف في الأعلى.. يجيء عدد منها فوق الدكاكين المذكورة. وقد انتبه الرحالة ابن جبير منذ قرون طويلة إلى هذا التركيب في بيوت دمشق، وله عنده تفسيره الاجتماعي والعمراني..‏
.. وإذ نتجاوز باب هذه الدار، نصل إلى دكان "عبده الحلاق"، وكان هذا مختصاً بقلع الأضراس والأسنان إضافة إلى مهنته، وكان يختلف بذلك عن حلاق الحي الثالث "أبو ياسين الهامش" الذي كان مختصاً بالمداواة وبيع "العلق" وتعليقه أحياناً..‏
أما الدكان التالية وهي الأخيرة في جادة ناصيف، فقد كانت للمبيض. والتبييض، هو إحدى المهن الهامة في دمشق القديمة، فقبل استخدام "الألومنيوم" في صنع أواني الدار من طناجر وصحون، كانت تصنع من النحاس وإذاً، فقد كان لابد من تبييضها، منعاً لأذى تفاعل النحاس الخالص، مع ما يطبخ ويوضع في تلك الأواني.‏
وقد كانت لي وقفات طويلة أمام دكان المبيض التي يغشّي السخام الأسود مختلف جدرانها وأنحائها. وكنت أستطرف في الدكان حفرتين، الأولى عميقة، وهي التي ينزل فيها المبيض، ليعمل، وبجانبه الكور الذي يعمل بمنفاخ هوائي، فيوهج الجمر أمامه، حيث يضع الأواني ويطليها بالقصدير.. أما الحفرة الثانية فكانت غير عميقة، وهي مخصصة لعمل يسبق التبييض، فبعض الآنية التي تراكم عليها الزمن كانت تحتاج إلى فرك، فيضعها المبيض تحت قدميه مضيفاً إليها بعض الرماد والرمل الناعم، ويأخذ يفركها بقدميه في حركة تشبه الرقص، وقد رفع سرواله الأسود، وضم فضل ثوبه الأعلى إلى خصره، في حين يتشبث بكلتا يديه بعصا غليظة غُرس طرفاها في الجدار على نحو متين. كان الرجل يراني وأنا أتأمل حركاته الراقصة الموقعة كأنه يرقص "سامبا" أو "جيرك" بلغة هذا الزمان، فيبتسم.. بحنان وعذوبة.. ثم يتابع عمله.‏
وبين الأماكن التي كنت أمضي وقتاً في الوقوف عندها أتفرج وأتأمل، دكان الحداد "جرجي بيلونة". وقد حدث مرة أن التقيت برجل يقاربني عمراً، فقلت له: أعرف وجهك. لكنه لم يعرفني. وعندما أجهدت الذاكرة قليلاً، ورجعت إلى تلك الفترة من الأربعينات، قلت له بثقة: ألم تكن تعمل عند جرجي بيلونه. فقال: بلى.. كنت.. ولكن كيف تذكرني ولا أذكرك قلت: كنت أقف ملياً بجانب دكانكم أتأملكم وأنتم تعملون، تصنعون السكاكين والخناجر المجدلانية. وكان أكثر ما يثيرني في عملكم، تطعيمكم مقبض الخنجر وترصيعه بالحجارة الملونة.. كريمة كانت أو غير كريمة.‏
وكان هذا شأني مع "الكوا".. كواء الطرابيش، وهي أيضاً من المهن الهامة التي انقرضت في دمشق، فقد مر زمان على الناس، كان عليهم أن "يتطربشوا" جميعاً كما يقول إبراهيم عبد القادر المازني. وكان ينظر إلى من خلا رأسه من طربوش نظرة غير مريحة. والأطرف كما سمعت، أن معتمر الطربوش القصير، كان ينظر إليه على أنه من الشباب.. غير الراكزين.- وفي مطالع هذا القرن، كان من لم يبلغ الأربعين من عمره يدعى: ولداً- أما الرجل الراكز "المعدّل" فهو الذي يعتمر الطربوش الطويل..‏
أما الكواء صاحب الدكان، فاسمه "واصف الطرابيشي" ويبدو أن الأسرة كلها كانت عريقة في المهنة، حتى أخذت اسمها منها، يؤكد ذلك أن كواء آخر للطرابيش في الحي، كان من الأسرة ذاتها.. ويحمل اسم الطرابيشي نفسه.‏
ولست أدري من أخبر واصفاً هذا بأنه يشبه الملك فاروق، فإذا هو يتشبه به بكل شيء، شاربيه، طريقته في ركز الطربوش على رأسه، وأخيراً، فإنه من قبل أن يتزوج دعا نفسه "أبا فاروق"، وأكل أصحابه "حلوتها" في حفلة سخية في عين الخضرة. ذاك أن من يلقب بلقب ما.. كان عليه أن يقيم وليمة لأصحابه في هذه المناسبة، تتكرس بعدها تسميته باللقب المختار: أبو أحمد. أبو عبده. أبو ياسين.. أبو فاروق.‏
وأذكر أن أحدهم لقب نفسه قبل الزواج بلقب معين: "أبو فهد" فعندما تزوج ورزق بغلام، أصر والده –أي جد الولد- على تسميته باسمه أي "أبو أحمد" ولكن أصحابه ظلوا ينادونه "أبا فهد" فأقام وليمة لتكريس اللقب الجديد. فكان الداخلون إلى الوليمة.. يحيّونه قائلين: مرحباً أبا أحمد، فحين أكلوا وتفكهوا وتحلوا، وصار عليهم أن يغادروا الوليمة، عاد كل منهم يودعه عند الباب قائلاً: ديارك عامرة يا أبا فهد..‏
وكان في الحي اثنان مهنتهما تأجير وإصلاح الدراجات الهوائية: "البسكليت" والواحد منهما اسمه "بسكليتاتي"، فكنا نستأجر من أحدهما دراجة نذهب بها إلى الغوطة الشرقية.. فإذا استأجرناها طوال الليل: "ليليّة" ذهبنا أبعد من ذلك.. وكان أقصى مكان نذهب إليه هو "السيدة زينب". وكان حلم الواحد منا أن يحصل على دراجة خاصة به.‏
* * *
يرتفع حي مئذنة الشحم في جانبه الشرقي رويداً رويداً، حتى يعلو عند تلتي النجارين والسماكة ارتفاعاً يلفت النظر، عن مستوى الشارع الذي يتوسط الحي، ثم ينحدر جنوباً نحو زقاق يدعى "زقاق الناصري". وفيه مقام "الولي الناصري".. ما يزال قائماً حتى الآن، قبالة المنزل الذي ولد فيه الشاعر الكبير نزار قباني.‏
وهناك مقهى الناصري، وفرن الناصري وحمام الناصري. فأما المقهى فما يزال على حاله حتى الان تقريباً، وإن يكن رواده قد أمسوا قلة قليلة.. وأما الفرن، فما برح حتى الآن، وإن يكن صاحبه قد توفي قبل سنوات، وكان اسمه "إسماعيل منكيرة" إلا أن الكثيرين كانوا يدعونه "هتلر". وكان هذا هو الآخر معجباً بهتلر، في أوج عزته وقوته.. وكانت له مواقف في هذا المجال إبان الحرب العالمية الثانية، فقد كان مؤمناً بعظمة هتلر وحبه للعرب وانتصاره لهم. وكان يقول: انتظروا.. تروا. وكان له شاربان مثل شاربي هتلر تماماً: فراشة تحت أنفه. وأما الحمام الذي كانت أمي تأخذني معها إليه، بين أفراد الأسرة، فقد غدا مستودعاً. في آخر مرة ذهبت مع أمي إلى هذا الحمام، وكنت في الحادية عشرة، ولكن شكلي وطولي كانا يوحيان بأكثر من ذلك، فما إن أبصرتني النساء المستحمات، حتى اشتعلت ثورة بينهن، وأخذن يقرعن أجران الحمام بالطاسات ويولولن، قائلات: المرة الجاية.. جيبي أبوه معك.. وكان أن تداركت الأمر القيمة على الحمام، فأفردت لنا مقصورة وضعت على بابها ستارة، ورجت أمي بحب أن لا تعود إلى مثلها..‏ 
.. وفي الطريق إلى الناصري، تذكرت واحدة أخيرة من المهن التي انقرضت أيضاً: الرشاش. كان ذاك أبا محمود الأطرش. وكان أطرش حقاً. عرفته تماماً، وكان ابنه "خيرو" من زملائي في المدرسة. أزرق العينين، في قامة مربوعة، منحن قليلاً، وعلى ظهره ربطت قربة جلدية ملأها ماء، وراح يرش دروب الحي، في حين يتبعه كنّاس.. يتولى التنظيف بعده.. ولم يكن أنظف من حينا.. يومذاك، رغم أن بعض دروبه كان ترابياً.‏
كانت الطنابر هي وسيلة النقل الأولى في حينا. وكان لها نوعان: واحد مربع الشكل تقريباً بعجلتين، في مساحة تناهز مترين مربعين، تحيط به من جانبيه دفتان خشبيتان ترتفع الواحدة منهما أقل من نصف متر، على أن تُحصر البضائع المنقولة بين هاتين الدفتين. وكثيراً ما كان ينقل الآجرُّ والتراب والرمل على هذه الطنابر التي يجرها بغل متين.‏
أما النوع الثاني فقد كان متطاولاً يكاد يبلغ طوله ثلاثة أمتار، لكنه ضيق نسبياً. وبست عجلات أصغر، من عجلات النوع الأول، ويجره في الأغلب ثلاثة خيول، مربوطة على التوالي، وكان مخصصاً للنقل السريع، ذاك أنه كان يمر في الحي، في مثل لمح البرق.‏
.. وبين وقت وآخر كانت تمر عربات الركاب يجرها حصانان.. أما السيارات الشاحنة فقد كانت تجوز الشارع المستقيم أحياناً لكنها كانت قليلة.. وأما سيارات الركوب، فكان مرورها نادراً.‏ 
وأذكر أن شيخ حارتنا توفيق القباني، وكان لديه مصنع للسكاكر والملبس في زقاق معاوية بالحي، وهو من الذين دعموا رجال الثورة السورية مادياً ومعنوياً، وهو والد الشاعر نزار قباني، أقام وليمة عام 1947 للممثل الكوميدي المشهور بشارة واكيم، لبناني الأصل الذي كان وجوده ضرورياً بلهجته اللبنانية الأصلية في الأفلام المصرية. وحين ظهرت السيارة التي تقله في مصلّبة الحي، أصر الشبان على أن يحملوها.. ويرفعوها بأيديهم. ولست أدري إن كان ذلك احتفاء بالممثل فحسب.. أم فرحاً بدخول مثل هذه السيارة الجميلة حيناً.‏ 
.. على أن هؤلاء الشبان أنفسهم كانوا يتشاجرون في كل مساء تقريباً. لماذا؟ لست أدري. ولكنني كنت أرى بين مساء وآخر، واحداً منهم وقد طعنه آخر بخنجر أو موس كباس، والرجال مجتمعون.. ورجال الشرطة يخفّون من مخفر الحي القريب لحسم الموقف. الغريب في الأمر أن بعض هؤلاء كانوا من المشاركين في مقاومة الاستعمار الفرنسي، وخاصة الإضراب المشهور عام 1936. وأدى بعضهم أدواراً مشرفة في شهر أيار 1945، يوم اندلعت المظاهرات في مختلف أنحاء سورية، منادية بالجلاء وإنشاء الجيش السوري.‏
أطرف ما في الأمر أن واحداً من هؤلاء وكان يلقب بأبي دعاس، واسمه تيسير العماوي وقد كان بطل قصة قصيرة لي عنوانها: حكاية مطواة –تشاجر مع آخر، ففر هذا أمامه.. فلحقه حتى باب توما.. وهناك ضاع المطارَد في غبشة المساء بين الناس، فلم يكن من العماوي الذي كانت مطواته بيده، إلا أن رفعها في الهواء وصاح: العماوي يسحب موسه ويرجع بلا دم.. وطعن نفسه.‏
ولكن أمسيات الحي لم تكن دامية جميعاً، فقد كانت تقوم زينات باذخة عند المساء على جانبي الشارع المستقيم أمام مسجد الحي وقبالته.. فتعلق السجاجيد، وعند أطرافها أغصان الزيزفون، يؤتى بها من الغوطة، وفوقها تعلق أيضاً السيوف والتروس وصورة رئيس الجمهورية السيد شكري القوتلي.‏
وكان عيد المولد النبوي الشريف، وعودة بعض الوجهاء في الحي من الحج مناسبة لإقامة هذه الزينات، وإذ يخلو الطريق تقريباً من مرور العربات والعجلات، كان يبدأ الاحتفال.. فينبري بعض الأقوياء، بلباسهم التقليدي الذي كان شائعاً في الحي: الشروال، والصدرية، والميتان، والشملة، ويتبارون بلعبة الخيزرانات الطويلة "الحكم"، في يمين الواحد منهم خيزرانة وفي يسراه ترس مستدير من القماش الذي يغلف لبادة غليظة مهمتها تلقي الضربات.‏
يبدأ اللعب باستعراض العضلات. فيقوم كل واحد بعرض فردي خاص، يلوح خلاله في الهواء بخيزرانته، ثم يتلقاها بترسه.. وربما قفز خلال ذلك، ثم انثنى نحو الأرض، ليعود إلى القفز من جديد.. على نحو آخر..‏
الاثنان يلعبان: واحد عن يمين الطريق وآخر عن يساره والأنظار موزعة بينهما. حتى إذا انتهى هذا الاستعراض، بدأ اللعب الحقيقي، فحاول كل منهما تسديد ضربة صائبة بخيزرانته إلى جسد الآخر، فيتلقاها هذا ببراعته ومرونته.. بترسه..‏
ولم يكن بد بطبيعة الحال، من أن تسقط بعض الضربات على الجسد، لكنها لم تكن ضربات قاسية مؤذية.‏
وفي نهاية كل شوط، وفي طقس احتفالي تمثيلي، كان ينهض أحد الوجهاء الكبار فيفصل بين الرجلين، ويجعل كلاً منهما يقبل شاربي الآخر..‏ 
حينذاك يكون الوقت قد حان، لممارسة لعبة أكثر جدية، هي لعبة السيف والترس. وكان يتولاها رجال الحي الكهول..‏
كان اللعب يبدأ باستعراض تقليدي للقوة، فينتحي كل واحد جانباً من الطريق، ملوحاً بسيفه في الهواء، في حركات، تنم عن مهارة وخفة، ثم يتلقاه بترسه.. ومن ثم يضرب بطرفه حجارة الطريق السوداء، فيتناثر الشرر..‏
ومثلما كان الشبان يفعلون، فكذلك كان هؤلاء الكهول، ينثنون نحو الأرض ثم يهبون قافزين.. معلنين استعدادهم لبدء اللعب..‏
كان الوحيد المسموح له بأن يلقي بتعليقاته المازحة هو مؤذن الحي "أبو كاسم حصرم" فقد كان أكبرهم عمراً، وأخفهم ظلاً، ولم تكن تعليقاته جارحة.‏
كان مثل هذه الاحتفالات يستمر حتى ساعة متأخرة من الليل، وخلال ذلك يكون سمر وأحاديث وحكايات يشترك فيها الجميع.‏
وكانت لأهل الحي مطارحهم الخاصة للنزهة، قلما تجاوزوها إلى الربوة و دمر أو عين الخضرة أو عين الفيجة في الأحوال العادية.‏
كانت تلك المتنزهات ثلاثة مواضع متقاربة: بساتين القراونة جنوب حي الأمين والشاغور ويقصدها الشبان في الأمسيات والليالي المقمرة، فيحملون إلى هناك عدة القصف والسمر: بابور الكاز. إبريق الشاي وكؤوسه. وربما حمل أحدهم من منزله حاكياً "فونوغرافاً" صغيراً نقالاً مع أسطواناته.. وربما آثر بعضهم أن يشرب العرق بدل الشاي أو القهوة.‏
.. الآن درست هذه البساتين، وكان بينها بستان الذهبي الذي استشهد فيه حسن الخراط عام 1925، وقام مكانها ما يسمى: المنطقة الصناعية.. حيث يندر أن يرى الإنسان غصناً أخضر.‏
وحديقة الصوفانية، غير بعيد عن سور دمشق، حيث ينقسم أحد فروع بردى قسمين يحيطان بالحديقة من جانبيها.‏
وكان لأمي رحمها الله، وإحدى خالاتي، ولع خاص في تناول قهوة الصباح في هذه الحديقة، وكانت تصحبني معها لأحمل السلة التي تحتوي على أدوات القهوة.. وبعض الطعام للإفطار.‏ 

.. وما تزال الحديقة على حالها تقريباً، غير أن حالة النهر المتردية جعلت زيارتها غير مستحبة..‏
.. وكان هناك أخيراً، ضفاف فرع آخر من بردى، عند جامع الشيخ رسلان.. وقد كان المتنزهون ينتشرون هناك.. حاملين معهم، كما هي عادة الدمشقيين، كل ما يمكن أن يحتاجوا إليه في مثل هذه النزهة.. أما نحن الأولاد، فقد كانت لنا تسليتنا المستحبة، مع أسراب البطّ التي كانت تسبح في النهر ذاهبة آيبة.. تتلقى الطعام الذي نقذفه نحوها.. وربما جاء بعضنا بشبكة صغيرة، حاول بها أن يصطاد بعض السمك..‏ 



ما يزال بردى يمر من هناك.. ولكن لم يبق مكان للنزهة عند الضفاف.. وتلاشت الأشجار التي كانت تبسط ظلالها الوارفة على المتنزهين.. واختفت أسراب البط الأبيض تماماً.. ومع الروائح غير المستحبة المنبعثة من النهر اختفى السمك أيضاً.. من يستطيع أن يعثر على سمكة واحدة.. في نهر بردى؟‏

 


الجمعة، 11 أكتوبر 2013

الاستاذ محمود الخاني ... سامحنا اطال الله عمرك

 
 
على الزاوية الرئيسية لبناء كسم وقباني , قرأت النعوة التي تحمل اسم استاذنا اطال الله عمره , واسبغ عليه نعمة الصحة .
وفوجئت اليوم بالاستاذ وسيم الخاني ينفي الخبر على صفحته ولعله تشابه اسماء .........

اقول لاستاذنا اننا نحمل له كم هائل من المحبة والاعجاب والعرفان , وهو مثل اعلى لنا نعتز به ...استاذنا الكبير سامحنا

الخميس، 24 يناير 2013

رحلة لامارتين الى الشرق - دمشق






وقد كانت في ( 1 نيسان 1833 م ) حيث قال في مذكراته :
في الساعة السادسة صباحاً امتطينا الخيل وشرعنا في رحلتنا (من بعلبك إلى دمشق) دون توقف فيما بين جبال جرداء شاهقة المنحدر ولا يفصلها عن بعضها سوى شعاب ضيقة حيث تجري سيول من ذوبان الثلج، لا شجر ولا نميص. أشكال تلك الجبال المفتتة غريبة تمثل آثاراً بشرية، منها أثر عال ضخم شا قولي المرتقى من جميع الجهات مثل هرم. قد يبلغ محيطه فرسخاً ولا يستطيع أحد أن يكتشف كيف تمكن الناس من تسلقه. فما من أثر ظاهر لدرب أو درجات مع أن أيادي بشرية حفرت مغائر من جميع القياسات في جميع منحدراته...‏
تركنا هذا الجبل إلى شمالنا وما لبث أن صار خلفنا وهبطنا بسرعة من خلال منخفضات عسير سلوكها إلى واد أعرض وأكثر انفتاحاً يجري فيه نهر. وبدأت تظهر لأعيننا على جانبيه من خلال شقوق الصخور التي تحف بالنهر أشجار الصفصاف والحور وأشجار مختلفة كثيرة أخرى أغصانها متشابكة بصورة غريبة، أوراقها سوداء. سرنا وتلك الضفاف ساعات مفتونين ونحن ننحدر دون أن نلاحظ ذلك. النهر يرافقنا وهو يخر ويزبد تحت أرجل خيلنا. الجبال العالية التي تشكل الشعب حيث يسيل النهر تبتعد وتتكور فتتحول إلى تلال عريضة مشجرة تلقي عليها الشمس الغاربة أشعتها، إنها أول منفذ إلى مابين النهرين: صرنا نرى أودية فسيحة تنفتح شيئاً فشيئاً على سهل الصحراء الكبير مابين دمشق وبغداد. الوادي حيث كنا أخذ يتسع والماء يجري فيه ببطء. وبدأنا نلمح على يمين النهر وشماله بقايا زرع ونسمع أصوات قطعان بعيدة. بساتين من أشجار المشمش الكبيرة وأشجار الجوز تحف بالطريق. وما عتمنا أن فوجئنا برؤية سياجات، كما في أوروبا، تفصل بين البساتين والحدائق المزروعة بقولاً وأشجاراً مثمرة مزهرة. حواجز أو أبواب خشبية تنفتح هنا وهناك على تلك الحدائق الجميلة. الطريق عريضة سوية معتنى بها جيداً كالطرق التي حول إحدى مدن فرنسا.‏
الزبداني


ليس فينا أحد كان يعلم بوجود هذه الواحة الخلابة في وسط جبال لبنان الشرقية الوعرة. كنا نقترب طبعاً من مدينة أو قرية نجهل اسمها. وصادفنا فارساً عربياً قال إننا على مقربة من قرية كبيرة تدعى الزبداني. وبدأنا نرى الدخان المرتفع منها فوق أعالي الأشجار الكبيرة النابتة في الوادي، حتى دخلنا شوارع القرية. إنها عريضة ومستقيمة ذات أرصفة من حجارة. والبيوت التي على جانبيها كبيرة وحولها باحات ملأى بالحيوانات، وبساتين مروية ومزروعة تماماً. النساء والأولاد يهرعون إلى الأبواب ليرونا ونحن نمر، ويستقبلوننا بوجوه باشة باسمة. سألنا إذا كان يوجد فندق نستطيع أن ننزل فيه لنبيت ليلة؟ فأجابونا بالنفي لأن الزبداني ليست على أي طريق ولا تمر بها أي قافلة. وبعد أن سرنا طويلاً في شوارع القرية وصلنا إلى ساحة كبيرة عند حافة النهر فوجدنا هناك بيتاً أكبر من البيوت الأخرى وفي مقدمته مصطبة محاطة بالأشجار فعلمنا أنه منزل الشيخ. فتقدمت مع ترجماني وطلبت منزلاً للمبيت فهرع الخدم إلى إخبار الشيخ فأسرع هو نفسه إلينا: إنه شيخ جليل أبيض اللحية جميل المظهر، وقدم لي بيته كله باهتمام وترحيب واستقبال للضيافة ما رأيت مثله من قبل في أي مكان آخر، وفي الحال استلم الخدم العديدون وأهم رجال القرية خيولنا وقادوها إلى حظيرة واسعة فأنزلوا الأحمال وجاؤوا بأكداس من شعير وتبن. وأخلى الشيخ نساءه من غرفهن بعد أن أدخلنا إلى ديوانه (المضيف) حيث قدمت إلينا القهوة والشراب، ثم ترك لنا جميع غرف المنزل. وسألني إذا كنت أريد أن يهيء لنا خدامه الطعام. فرجوت منه أن يسمح للطاهيّ أن يعفيهم من هذا العناء وأن يأتيني فقط بعجل وبعض الخراف لنجدد مؤونتنا التي نفدت في بعلبك. وبعد بضع دقائق جيء بالعجل والخراف بعد أن ذبحها جزار القرية. وفيما كان رجالنا يهيؤون لنا العشاء عرفنا الشيخ بوجهاء سكان البلد وبأهله وأصدقائه. وطلب مني أن آذن لنسائه بأن يدخلن على السيدة لامارتين زوجتي وقال: "إنهن يرغبن جداً في رؤية امرأة أوروبية ومشاهدة ثيابها وحلاها". وبالفعل مرت نساء الشيخ وهن محجبات بالديوان حيث كنا ودخلن غرفة زوجتي. كن ثلاثة: الواحدة متقدمة في السن كأنها أم الاثنتين الأخريين، والصغيرتان كانتا رائعتي الجمال وبدتا كثيرتي الاحترام والاعتبار والحب نحو كبيرتهن في السن. وقدمت زوجتي لهن بعض الهدايا وهن من جهتهن فعلن مثل ذلك. خلال هذا اللقاء جاء بنا شيخ الزبداني الجليل إلى مصطبة كان بناها قرب منزله عند حافة النهر تحملها ركائز مغروزة في مجرى النهر نفسه. وكانت تلك المصطبة مغطاة بالبسط وعلى جوانبها ديوان، تظللها هي والنهر شجرة ضخمة كالتي كنت رأيتها عند حافة الطريق. وهنا في ظل الشجرة التي يأوي إليها ويغرد على أغصانها ألف طائر يقضي الشيخ أوقات فراغه كما يفعل جميع الأتراك في الإصغاء إلى خرير الماء والتمتع بمرأى مياه النهر الباردة المزبدة الجارية تحت ناظريه. جسر من الألواح يصل البيت بهذه المصطبة المعلقة. إن هذا المكان هو أحد أجمل الأمكنة التي شاهدتها في رحلتي. البصر ينزلق على آخر تلال جبال لبنان الشرقية المكورة التي تشرف على ِأهرام صخر أسود أو قمم من الثلج وينحدر مع النهر وأمواجه المزبدة فيما بين قمم أشجار غابات مختلفة غير متساوية ترسم مجراه حتى تضيع وإياه في سهول مابين النهرين المنحدرين التي تمتد مثل خليج من خضرة في منعرجات الجبال.‏
وعندما أصبح العشاء جاهزاً رجوت من الشيخ أن يتكرم بمشاركتنا فيه. فقبل راضياً وبدا عليه السرور لرؤية طريقة الأوروبيين في الأكل. ماكان رأى قبل اليوم أي أداة من أدوات موائدنا وما شرب خمراً قط ونحن ما حاولنا حمله على ذلك.
تكلمنا كثيراً على أوروبا على عاداتنا التي يبدو أنه كان كثير الإعجاب بها. وحدثنا عن طريقة إدارته قريته. لقد حكمت أسرته مدة قرون هذه الناحية الممتازة من جبال لبنان الشرقية، وإن الفضل في التحسينات الجارية في الأملاك والزراعة والشرطة والنظافة التي أعجبنا بها ونحن نجتاز أرض الزبداني يعود لأسرة الشيخ الممتازة. الأمر كذلك في الشرق كله. كل شيء شاذ وخارج على القياس. الخير مثل الشر يستمر هنا بلا نهاية. لقد استطعنا بالاعتماد على هذه القرية الفاتنة أن نحكم على ما يمكن أن تكون هذه الأقاليم التي أعيدت إلى خصبها الطبيعي.‏
أعجب الشيخ كثيراً بسلاحي ولاسيما بمسدسي. ولم يستطع أن يخفي جيداً السرور الذي يسببه له امتلاك هذا السلاح. ولكنني لم أكن قادراً على تقديمه له: فهما مسدساي للمعركة وكنت أريد الاحتفاظ بهما حتى عودتي إلى أوروبا. فقدمت له هدية ساعة ذهبية إلى زوجته. فأخذ الهدية مع كل الممانعة المهذبة التي تصدر عنا في أوروبا لقبول مثلها. يظهر أنه راض تماماً مع أني ما شككت قط في تفضيله المسدسين. وجيء لنا بكمية من المخدات والبسط من أجل النوم، ففردنا في هذا الديوان الذي كان هو ينام فيه، ونمنا على صوت خرير النهر الذي كان يجري تحت أسرتنا.‏
وفي اليوم التالي عند طلوع النهار اجتزنا النصف الثاني من قرية الزبداني وهو أجمل مما رأيناه في اليوم السابق. وأمر الشيخ بعض رجال عشيرته بأن يرافقونا حتى دمشق. عندها سمحنا لفرسان بعلبك بالعودة لأنهم قد لا يكونون في مأمن في أرض دمشق. فسرنا ساعة في طريق يحدها سياج حي واسع ومعتنى به كثيراً، كما في فرنسا. الطريق تظلله قبة من أشجار المشمش والأجاص. وتمتد على جانبيه يميناً وشمالاً حدائق لانهاية لها ثم حقول مزروعة فيها أناس كثيرون وحيوانات. جميع هذه الحدائق ترويها سواق تنحدر من الجبال التي إلى الشمال، المكسوة قممها بالثلج. والسهل فسيح ولا شيء يحده في نظرنا سوى غابات الأشجار المزهرة، وبعد ثلاث ساعات من السير كما لو كان وسط أجمل المناظر في إنكلترا أو لومبارديا دون أن يذكرنا شيء بالصحراء والبربرية وصلنا إلى أرض قاحلة وعرة لا يُرى فيها كلياً تقريباً نبت ولا زرع. التلال الصخرية التي لا يكاد الطحلب الأصفر يغشيها تمتد أمامنا تحدها الجبال الجرداء الرمادية اللون. نزلنا في خيامنا عند سفح تلك الجبال بعيداً عن كل مكان مأهول. ونمنا ليلتنا هناك على ضفة سيل ضيق وعميق يسمع له دوي كدوي رعد لا ينتهي في شعب من الصخور يجري فيه ماء عكر ورضاب ثلج.‏
وامتطينا الخيول في الساعة السادسة، إنه اليوم الأخير، فأكملنا في ضواحي دمشق لبس ثيابنا التركية حتى لا نعرف بأننا من الفرنجة وارتدت زوجتي ثوباً كثوب النساء العربيات وإزاراً من نسيج أبيض لفها من رأسها حتى قدميها. وحسن مرافقونا من العرب هندامهم وأشاروا إلينا بأصابعهم إلى الجبال التي بقي علينا أن نجتازها وهم يصرخون: الشام! الشام! هذا اسم دمشق.‏
دمشق


بالرغم من تهديدات الباب العالي، بل بالرغم من التخوف من تدخل إبراهيم باشا وحاميته المؤلفة من اثني عشر ألف جندي مصريين أو أجانب لم يقبل سكان دمشق أن يدخل المدينة قنصل إنكلترا العام في سورية. لقد حدث في المدينة تمردان هائلان لمجرد وصول الخبر بمجيء القنصل. ولو لم يرجع من حيث أتى لكان مُزّق إرباً. والأمور ما زالت باقية هكذا على ما كانت عليه. فقدوم أوروبي في لباس أوروبي قد يكون إشارة لفتنة جديدة وقد ساورنا قلق من أن يكون خبر مجيئنا قد بلغ دمشق فيعرضنا إلى أخطار جدية. اتخذنا جميع التدابير الممكنة. لبسنا كلنا ألبسة عريقة جداً في تركيتها. أوروبي وحيد اقتبس أخلاق العرب تزيَّا بزيَّهم، وكان يُعتبر تاجراً أرمنياً قد عرّض نفسه منذ عدة سنين لخطر الإقامة في مدينة كهذه ليكون مفيداً لتجارة ساحل سورية وللمسافرين الذين يجرهم مصيرهم إلى هذه الأماكن التي لا ترحب بالغرباء. إنه السيد بودان، عميل قنصل لفرنسا وكل أوروبا معتمد قديم للسيدة ستا نهوب رافقها في رحلاتها الأولى إلى بعلبك وتدمر، استخدمته الحكومة الفرنسية فيما بعد من أجل الحصول لها على أحصنة من الصحراء. والسيد بودان يتكلم العربية كأي عربي وقد أنشأ علاقات صداقة وتجارة مع جميع القبائل التي تتجول في الصحارى التي حول دمشق. وهو يعيش في دمشق منذ عشر سنوات وتزوج امرأة عربية من أصل أوروبي، وبالرغم من علاقاته العديدة تعرضت حياته للخطر عدة مرات بسبب غضبة سكان المدينة المتعصبين، واضطر إلى الهرب مرتين لينجو من موت محقق. وقد بنى له بيتاً في زحلة المدينة المسيحية الصغيرة الواقعة على سفح جبل لبنان، فإلى هناك كان يلجأ في أوقات الاضطراب الشعبي. فالسيد بودان الذي كانت حياته مهددة دائماً في دمشق هو في هذه العاصمة الكبيرة صلة الاتصال الوحيدة لسياسة أوروبا وتجارتها وما كان يقبض من الحكومة الفرنسية كأجر من أجل خدماته العظيمة سوى مبلغ زهيد قدره (1500) فرنك، في حين أن قناصل قد اتخذت حولهم جميع الاحتياطات الأمنية وحُوّطوا بكلّ أبهة الحياة في درجات الشرق الأخرى يتناولون مكافآت وافرة جزيلة. أنا لا أستطيع أن أفهم بأي عدم مبالاة وبأي إجحاف تهمل هكذا الحكومات الأوروبية ولاسيما الحكومة الفرنسية شاباً ذكياً نزيهاً خدوماً شجاعاً ونشيطاً قدّم وقد يقدّم أعظم الخدمات الوطنية. إنها تخسره! لقد تعرّفت إلى السيد بودان في سورية في السنة السابقة واتفقت معه بشأن رحلتي إلى دمشق وأخبرته بسفري وبوصولي القريب. فبعثت إليه هذا الصباح عربياً ليخبره بالساعة التي أكون فيها في ضواحي دمشق ورجوت منه أن يرسل لي دليلاً ليرشد خطواتي ومساعيّ.‏
سرنا في الساعة التاسعة صباحاً محاذين جبلاً تغطيه بيوت ريفية وبساتين سكان دمشق. جسر جميل ممتد فوق سيل عند سفح الجبل. وشاهدنا أرتالاً عديدة من الجمال محملة أحجاراً من أجل أبنية جديدة. كل شيء يدلّ على اقترابنا من عاصمة كبيرة: بعد ساعة من الزمن رأينا على قمة هضبة جامعاً صغيراً منعزلاً، لقد كان منزلاً لناسك محمدي، وإلى جانب الجامع عين ماء تجري، وقد رُبطت طاسات من النحاس بسلاسل إلى جدار العين كي يتاح للمسافر أن يرتوي، فتوقفنا برهة في هذا المكان في ظل شجرة جميز، وبدا الطريق مكتظاً بالمسافرين والفلاحين والجنود العرب. ثم امتطينا خيولنا وما أن سرنا صُعُداً بضع مئات من الخطوات حتى سلكنا شعباً عميقاً منحصراً بين جبل نضيدي ينهض شاقولياً فوق رؤوسنا إلى الشمال وحافات صخور إلى اليمين يبلغ ارتفاعها ثلاثين إلى أربعين قدماً.‏
كان الانحدار سريعاً والأحجار المتدحرجة تنزلق تحت حوافر خيلنا. كان عرب الزبداني يسيرون في الطليعة وأنا في مقدمة القافلة على بعد بضع خطوات منهم. وفجأة وقفوا وصرخوا صراخ الفرح وهم يدلوني على ثقب في حافة الطريق. فتقدمت وحدقت بنظري من خلال فجوة في الصحراء إلى أروع وأغرب أفق لم يدهش مثله نظر إنسان من قبل: إنها دمشق وصحراؤها التي لا حد لها تحتي على بعد بضع مئات من الأقدام. النظر كان يقع أولاً على المدينة التي تحيط بها أسوار الرخام الأصفر والأسود وتحصنها أبراج مربعة لا تحصى على مسافات متقاربة، في أعاليها شرفات منحوتة، وتسيطر على المدينة غابة من المآذن المختلفة الأشكال، وتخترقها فروع نهرها السبعة والسواقي المتفرعة عنه التي لا تعد. لقد كانت ممتدة مدى البصر في متاهة بساتين مزهرة تلقي بسواعدها هنا وهناك في السهل الواسع، الظل في كل مكان، وتحف بالمدينة من كل جانب ضمن دائرة من عشرة فراسخ (أي 40 كم) غابة من أشجار المشمش والجميز، أشجارها من جميع الأشكال وخضرتها التي هي من كل الألوان تبدو كأنها تختفي من وقت لآخر تحت قبب أشجارها ثم تظهر مرة أخرى على بعد كبحيرات عريضة من المنازل والضواحي والقرى، متاهة بساتين وحدائق وقصور وأسواق يحار البصر فيها فلا يترك فتنة إلا ليجد فتنة أخرى. لقد توقفنا عن المسير، الجميع، تراصوا عند فجوة الصحراء الضيقة المنقوبة مثل نافذة فكنا مرة نشاهد ونحن صامتون ومرة أخرى كانت هتافاتنا تتعالى. المشهد الساحر الذي كان يمتد كله هكذا فجأة تحت أعيننا في نهاية درب خلال صخور عديدة وأماكن منعزلة قاحلة عند بداية صحراء أخرى لا يحدها سوى بغداد والبصرة وينبغي لاجتيازها أربعون يوماً. وأخيراً استأنفنا السير، الحاجز الصخري الذي كان يحجب عن عيوننا السهل والمدينة أخذ ينخفض شيئاً فشيئاً حتى أتاح لنا أن نتمتع تماماً بالأفق كله، وما كنا إلا على بعد خمسمائة خطوة فقط من جدران الضاحية، وكانت تحيط بتلك الجدران أكشاك فاتنة ومنازل ريفية أشكالها وهندساتها من أعرقها شرقية فتلمع مثل زنار ذهبي حول دمشق.‏
الأبراج المربعة التي تدعمها وتعلو الخط موشاة بزخارف عربية تخترقها أقواس قوطية ذات عمد صغيرة رفيعة مثل قصب مجدول تضخمها شرفات على شكل عمامات. رخام أصفر أو أسود وحجارة تكسو السور بتعاقب وتناسق لطيف. أعالي السرو والأشجار الكبيرة الأخرى التي ترتفع في البساتين وفي داخل المدينة تسمو فوق السور والأبراج وتكللها بخضرة قاتمة. وقبب الجوامع والقصور التي لا تحصى في مدينة يقطنها أربعمائة ألف من السكان كانت تعكس أشعة الشمس الغاربة وكانت مياه الأنهر السبعة الزرقاء اللامعة تتلألأ وتختفي الواحدة تلو الأخرى من الشوارع والبساتين. والأفق خلف المدينة كان مثل بحر لا ساحل له فيختلط بالجوانب القرمزية لسماء نارية ما زال يلهبها انعكاس رمال الصحراء الكبيرة، إلى اليمين تلال جبال لبنان الشرقية العالية العريضة التي تبتعد مثل أمواج ظلال ضخمة بعضها إثر بعض تتقدم مثل أنف جبل في السهل حيناً وحيناً تنفتح مثل خلجان عميقة حيث يغرق السهل وغاباته وقراه الكبيرة، التي يبلغ عدد سكانها أحياناً ثلاثين ألفاً. بحيرتان كبيرتان وفروع النهر كانت تظهر هنا في ظلمة صبغة خضرة عامة كأن دمشق غارقة فيها، وإلى يسارنا سهل أكثر انفتاحاً وعلى بعد نحو اثني عشر أو خمسة عشر فرسخاً كانت قمم جبال مكللة بالثلج تلمع في زرقة السماء مثل غيوم الأوقيانوس. تحيط بالمدينة تماماً غابة حدائق من أشجار مثمرة حيث الوالي تتشابك كما في نابولي وتمتد كشرائط زخرفة فيما بين أشجار التين والمشمش والأجاص والكرز. الأرض تحت هذه الأشجار خصبة ومروية دائماً ومفروشة بالشعير والحنطة والذرة وجميع الخضار التي تنتجها هذه التربة. بيوت صغيرة بيضاء تتخلل هنا وهناك خضرة هذه الغابات وتتخذ مسكناً للبستاني أو مكاناً تتنزه فيه أسرة المالك. وفي هذه البساتين خيول وخراف وجمال وحمام وكل ما يشيع حركة في مشاهد الطبيعة. مساحة كل منها "اربنت أو اربنتان" بصورة عامة يفصل بينها جدران من طين مجفف في الشمس أ و من سياج حي جميل، وبين هذه البساتين طرق عديدة ظليلة، وإلى جانبها ساقية ماء جار تؤدي إلى ضاحية بعد أخرى حتى تصل إلى بعض أبواب المدينة. إنها تشكل دائرة قطرها عشرون إلى ثلاثين فرسخاً حول دمشق.‏
سرنا برهة في أولى متاهات هذه الحدائق صامتين قلقين لأننا ما رأينا الدليل الذي أبلغنا به. فتوقفنا عن المسير، وأخيراً بان لنا أنه أرمني مسكين ثيابه غير جيدة، وعلى رأسه عمامة سوداء. فاقترب دون تصنع من القافلة، فوجه كلمة وأشار إشارة وبدلاً من أن ندخل المدينة من خلال الضاحية ومن الباب الذي كان أمامنا، فقد تبعناه محاذين الجدران حتى كدنا ندور حولها، خلال دهاليز البساتين والأكشاك إلى أن دخلنا من باب مهجور تقريباً قريب من حارة الأرمن التي فيها منزل السيد بودان الذي تكرم بتهيئة مأوى لنا فيه. عند أول باب للمدينة لم يقل لنا أحد شيئاً، وبعد أن اجتزناه سرنا مدة طويلة إلى جانب أسوار عالية لها نوافذ ذات حواجز متشابكة. وفي الجانب الآخر من الشارع قناة ماء عميقة تدير دواليب عدة طواحين. وفي نهاية هذا الشارع اضطررنا إلى التوقف وسمعت شجاراً فيما بين أتباعي من العرب وجنود كانوا يحرسون باباً ثانياً في الداخل لأن لكل حارة باباً خاصاً بها. كنت أود أن أ بقى مجهولاً وأن تمر قافلتنا على أنها قافلة تجار من سورية. غير أن الشجار استمر وعلا الصياح وازداد وأخذ الجمهور يتجمع حولنا، فهمزت حصاني وتقدمت إلى أول القافلة. وكان حرس من الجنود المصريين يمنعوننا من الدخول لأنهم لاحظوا وجود بندقيتي صيد أهمل خدامي العرب إخفاءهما تحت أغطية أفراسي. حاكم دمشق الحالي شريف بك كان أصدر أمراً يحظر إدخال أسلحة إلى المدينة، لأنه كان يخشى أن تقوم فتنة كل ليلة ويذبح الجنود المصريون. ولحسن الحظ كنت أحمل رسالة حديثة من إبراهيم باشا، فأخرجتها وقدمتها إلى الضابط آمر المركز فقرأها ورفعها إلى جبينه وشفتيه وأدخلنا معتذراً ومرحباً كثيراً.‏
وسرنا زمناً في متاهة أزقة مظلمة ضيقة وقذرة. وكانت تشكل هذه الشوارع بيوت صغيرة وطيئة، جدرانها من طين، كأنها على وشك أن تسقط علينا، وكنا نشاهد من خلال شعريات النوافذ وجوه صبايا أرمنيات فاتنات أسرعن لدى سماعهن ضوضاء قافلتنا وخيولنا، فكن ينظرن إلينا ونحن نعبر ويوجهن إلينا كلمات تحية ومودة. وأخيراً وقفنا عند باب صغير وطيء وضيق في شارع لا يمكن اجتيازه إلا بصعوبة فتجرنا عن خيولنا وسرنا في ممشى معتم ومنخفض وفجأة وجدنا أنفسنا في باحة مبلطة بالرخام تظللها أشجار الجميز ويبرّدها ينبوعا ماء حولهما أقواس من المرمر وأبهاء فخمة الزينة: كنا في منزل السيد بودان.‏
خصص السيد بودان كلاً منا بغرفة جميلة مؤثثة على طريقة الشرقيين، فارتحنا على متكآته وعلى مائدته المضيافة من عناء طريق طويلة. رجل معروف ومحبوب يصادف وسط جمهور مجهول وعالم أجنبي يكون بمثابة وطن كامل. لقد شعرنا بذلك عندما صرنا في منزل السيد بودان. والساعات الحلوة التي قضيناها في التحدث عن أوروبا وآسيا، في المساء على ضوء مصباحه وسماع خرير نافورة باحته بقيت في ذاكرتي وفي قلبي من أعذب الراحات في رحلاتي.‏
السيد بودان من الرجال النادرين الذين هيأتهم الطبيعة لكل شيء. ذكاء واضح وسرعة في الخاطر، وقلب مستقيم، حازم، نشيط لا يكل سواء أكان في أوروبا أم آسيا، في باريس أم دمشق، في البر أم البحر فإنه يرتاح لكل شيء ويجد سعادة وصفاء في كل مكان، لأن روحه كروح العربي مستسلمة إلى القانون الكبير الذي يشكل جوهر الدين المسيحي والإسلامي، ألا وهو الخضوع لمشيئة الله، ولأنه يحمل أيضاً في نفسه عقلاً حاذقاً نشيطاً هو روح ثانية للإنسان الأوروبي. تكيفت هيئته ولسانه وعاداته حسبما شاءت لها ثروته أن تتكيف. ومن يراه يتحدث إلينا عن فرنسا وسياستنا المتحركة يظن أنه رجل وصل أمس من باريس وسيعود إليها في اليم التالي. والذي يرى السيد بودان مساءً مستلقياً على متكئه بين تاجر من البصرة وحاج تركي من بغداد، وهو يدخن الغليون أو النرجيلة وحبات المسبحة الشرقية الكهرمان تنساب بين أصابعه ببطء، وعلى جبهته عمامة وفي رجليه بابوج، يقول كلمة كل ربع ساعة بخصوص سعر القهوة والفراء، يظن أنه تاجر رقيق أو حاج عائد من مكة. مامن رجل تام الصفات إلا الذي سافر كثيراً وبدل عشرين مرة شكل فكره ونمط حياته، فالعادات الضيقة الرتيبة التي يتعودها الإنسان في حياته النظامية وفي رتابة وطنه قوالب تصغر كل شيء: الفكر والفلسفة والدين والطبع كل شيء أكبر، كل شيء أعدل، كل شيء أصدق عند من رأى الطبيعة والمجتمع من وجهات نظر عديدة. يوجد وجهة نظر لأجل الكون المادي والثقافي. السفر من أجل البحث عن الحكمة كانت كلمة كبيرة عند الأقدمين، ونحن لم ندرك معناها: ماكانوا يسافرون للبحث فقط عن عقائد غير معروفة وعن دروس في الفلسفة ولكن ليروا كل شيء ويقدروا كل شيء. فيما يتعلق بي يذهلني باستمرار الطريقة الضيقة الهزيلة التي بها ننظر إلى الأشياء والمؤسسات والشعوب. إذا عقلي كبر، وإذا نظرتي اتسعت، وإذا تعلمت التسامح في كل شيء، وفهمت كل شيء فإني مدين بذلك فقط إلى كوني بدلت كثيراً المشهد ووجهة النظر. دراسة القرون في التاريخ والناس في الأسفار والله في الطبيعة تلك هي المدرسة الكبيرة. ندرس كل شيء في كتبنا الحقيرة. ونقارن كل شيء بعاداتنا المحلية الصغيرة: ومن ذا الذي صنع عاداتنا وكتبنا؟! أناس صغار مثلنا. فلنفتح سفر الأسفار ولنعش ولنر ولنسافر: الكون كتاب وكل خطوة نخطوها تقلب لنا صفحة، فماذا يعرف من لم يقرأ سوى صفحة واحدة؟!
ذكريات ومشاعر وأفكار ومشاهد‏
نيسان 1833 م ـ دمشق‏


تجولت هذا الصباح، وأنا مرتد ثياباً عربية صميمة، في أهم حارات دمشق لا يرافقني سوى السيد بودان خشية أن نلفت الانتباه إلينا وجوهنا غير المعروفة لو كنا جماعة. فسرنا أولاً مدة طويلة في شوارع حارة الأرمن المعتمة القذرة والمتعرجة، كأنها إحدى أبأس قرية في مقاطعاتنا. البيوت مبنية بالطين، تتخلل بعض جدرانها من جهة الشارع نوافذ صغيرة ونادرة مشبكة، درفاتها مدهونة باللون الأحمر. إنها منخفضة وأبوابها أكثر انخفاضاً وشبيهة بأبواب الاصطبلات. كومة من أقذار الشوارع ومستنقعات صغيرة من الماء والوحل في كل مكان تقريباً حول الأبواب، لكننا دخلنا بعض منازل أبرز التجار من الأرمن هناك وقد أدهشتني أبهة هذه الدور وأناقتها من الداخل. بعد أن ولجنا الباب واجتزنا دهليزاً معتماً وجدنا أنفسنا في باحة مزدانة بينابيع تتدفق، وهي من الرخام تظللها شجرتان من الجميز أو الصفصاف الفارسي. وهذه الباحة مبلطة ببلاطات عريضة من حجر مصقول أو من الرخام. الدوالي تغطي الجدران، وهذه الجدران مكسوة بالرخام الأبيض، خمسة أو ستة أبواب دعائمها من الرخام أيضاً منقوشة نقوشاً عربية تؤدي إلى غرف أو أبهاء حيث يقيم رجال العائلة ونساؤها. وهذه الأبهاء رحبة وذات قبب، ولها شبابيك كثيرة وصغيرة مرتفعة جداً لتتيح للهواء الخارجي أن يأتي ويذهب بحرية وبدون انقطاع، وهذه الأبهاء كلها تتألف من قسمين القسم الأول منخفض حيث يقف الخدم والعبيد، والقسم الثاني أعلى من الأول ببضع درجات ويفصل بينهما درابزون من رخام أو من خشب الأرز المقطع تقطيعاً رائعاً. وفي وسط هذه الردهات أو في زواياها فسقية أو فسقيتان يسمع خرير الماء فيهما، حافاتها مزدانة بمزهريات. طيور من السنونو أو حمامات خاصة تأتي بحرية وتقف على جوانب تلك الأحواض لتشرب. جدران الغرف مكسوة بالرخام إلى علو معين. والقسم العلوي مكسو بالجص وعليه رسوم عربية من ألف لون وكثيراً ما تكون مزركشة بنتوءات ذهبية مثقلة جداً. والأثاث مؤلف من سجاد عجمي أو بغدادي بديع يغطي من كل جهة أرض الغرف التي هي من الرخام أو من خشب الأرز، ومن كمية كبيرة من المساند والفرش الحريرية مبعثرة وسط الغرفة وهي تستعمل مقاعد لأفراد العائلة أو مساند لظهورهم. وفي صدر الردهات وعلى جوانبها أرائك مغطاة بأنسجة غالية وبسط غاية في الرقة. النساء والأولاد يجلسون عادة هناك أو يضطجعون وهم يقومون بمختلف الأعمال المنزلية. ومهود الأطفال وسط الغرفة فيما بين هذه السجاجيد وتلك المساند. إحدى هذه الردهات مخصصة دائماً لرب البيت وحده وفيها يستقبل الغرباء. كثيراً ما يُرى جالساً على أريكته وإلى جانبه على الأرض محبرته الطويلة المقبض وورقة مسندة إلى ركبته أو إلى يده اليسرى وهو يكتب أو يحسب كل النهار لأن التجارة هي الشغل الشاغل لسكان دمشق وعبقريتهم الوحيدة.‏
حيثما ذهبنا لرد زيارات الأمس كان صاحب المنزل يستقبلنا ببشاشة ومودة ويأتينا بالغلايين والقهوة والشراب ويقودنا إلى البهو حيث تجلس النساء. أياً كانت الفكرة التي كونتها عن جمال السوريات وأياً كانت الصورة التي طبعت في ذهني عن جمال نساء روما وأثينا فإن رؤية النساء والصبايا الأرمنيات في دمشق قد فاقت كل شيء. وفي كل مكان تقريباً وجدنا وجوهاً ما رسمت مثلها قط ريشة أوروبية .

والتقيت بصديق لبودان وهو رجل ممتاز ومثقف جداً... مع أنه ما خرج قط من دمشق. عنده أفكار صحيحة موزونة عن الحالة السياسية في أوروبا ولاسيما في فرنسا، عن حركة الفكر الإنساني بصورة عامة في زماننا وعن تحول الحكومات العصرية وعن مستقبل الحضارة المحتمل. ما صادفت في أوروبا رجلاً كانت نظراته بهذا الخصوص أصح وأذكى: ومما يثير العجب أنه لا يعرف سوى اللغة اللاتينية واليونانية، وإنه ما استطاع قط أن يقرأ تلك المؤلفات والصحف الغربية حيث جُعلت هذه المسائل في متناول حتى الذين يكررونها دون أن يفهموها. وما أتيحت له يوماً فرصة للتحدث مع رجال ممتازين من مناطقنا. دمشق بلد لا علاقة له بأوروبا، وقد فهم كل شيء بواسطة خارطات جغرافية وبعض الحوادث التاريخية والسياسية التي وصلت أصداؤها إلى هنا، وإن عبقريته الطبيعية والتأملية قد فسرتها بفطنة عجيبة. لقد سحرني هذا الإنسان، لقد أمضينا قسماً من الصباح ونحن نتحادث، وسوف يأتي هذا المساء وكل يوم. إنه يتبين مثلي ماذا تهيء العناية الإلهية كما يبدو للشرق والغرب من تقارب حتمي بين هذين القسمين من العالم اللذين يفسحان لبعضهما بالتعاون من مدى وحركة وحياة ونور. له ابنة في الرابعة عشرة من عمرها وكانت أجمل شخص رأيناه، والأم صغيرة أيضاً وفاتنة مثلها. وقدم لي ابنه البالغ من العمر اثنتي عشرة سنة، وتربية هذا الولد تشغله كثيراً. فقلت له: "كان عليك أن ترسله إلى أوروبا ليتلقى تربية كالتي تأسف أنت لعدم توفرها لك". فأجابني، سأراقب تربيته. ياللأسف! إني أفكر في ذلك دون انقطاع، كثيراً ما فكرت فيها، ولكن إذا كانت حالة الشرق لم تتغير حتى الآن فأي خدمة أكون قدمت لابني برفعه عالياً بمعارفه فوق زمانه وبلده حيث يجب أن يعيش؟ ماذا يصنع في دمشق عندما يعود إليها بما اكتسبه في أوروبا من المعارف والأخلاق وتذوق الحرية؟.. إذا كان يجب على الإنسان أن يكون عبداً فمن الخير له أن لا يكون أبداً إلا عبداً".‏
بعد هذه الزيارات المختلفة غادرنا حارة الأرمن المنفصلة عن حارة أخرى بباب يقفل كل مساء. وجدت شارعاً أعرض وأجمل وهو مؤلف من قصور أهم أغوات دمشق، إنهم نبلاء البلد. واجهات تلك القصور من ناحية الشارع تشبه جدران سجون طويلة أو مآوٍ، وهي من طين رمادي، النوافذ فيها نادرة أو معدومة. كنا نصادف من وقت لآخر بوابة كبيرة مفتوحة على باحة، وكنا نرى عدداً من السوّاس والخدم والعبيد السود مضطجعين في ظل الباب. لقد زرت صديقين للسيد بودان من هؤلاء الأغوات.‏
وتجولت في أسواق دمشق. السوق الكبيرة يبلغ طولها تقريباً نصف فرسخ أي نحو كيلو مترين. والأسواق شوارع طويلة مسقوفة بأخشاب مرتفعة جداً، وعلى الجانبين حوانيت ومخازن ومقاه ودكاكين صغيرة ضيقة وقليلة العمق. التاجر يجلس القرفصاء أمام دكانه وهو يدخن الغليون أو النرجيلة التي إلى جانبه. المخازن ملأى دائماً بالبضائع من كل نوع ولاسيما من أقمشة الهند التي تتدفق على دمشق بواسطة قوافل بغداد. الحلاقون يدعون المارة إلى حلق شعورهم. دكاكينهم مكتظة دائماً بالزبائن. جمهور كبير يمر كل يوم بالسوق كالجمهور الذي يمر بكالوري القصر الملكي. لكن نظرة هذا الجمهور الخاطفة لا نهاية لروعتها. إنهم الأغوات لابسون عباءات من حرير قرمزي مبطنة بفرو السمور، ومتقلدون السيوف والخناجر المرصعة بالألماس المعلقة بالزنار، ويتبعهم خمسة أو ستة من البطانة أو الخدم أو العبيد الذين يسيرون خلفهم وهم يدخنون صامتين. يمضي أولئك الأغوات إلى المقاهي المبنية على جانب السواقي التي تخترق المدينة فيجلسون على المقاعد الخارجية تحت ظل أشجار الدلب الجميلة حيث يقضون قسماً من النهار فيدخنون ويتحادثون مع أصحابهم وهذه هي الطريقة الوحيدة للاتصال فيما بين سكان دمشق باستثناء الجامع حيث تُهيّأ في صمت تقريباً الثورات المتكررة التي تخضب هذه العاصمة بالدم..‏
كل نوع من أنواع التجارة والصناعة له محله الخاص في السوق فهنا دكاكين صناع الأسلحة الذين لا يقدمون أسلحة كالأسلحة العظيمة المشهورة التي كانت دمشق تقدمها قديماً لتجارة الشرق. مصانع السيوف المدهشة التي كانت دمشق تقدمها قديماً لتجارة الشرق. مصانع السيوف المدهشة إن وُجدت في دمشق حقاً فقد أصبحت في عالم النسيان.‏
لا تُصنع هنا إلا سيوف من معدن مسقي سقاية عادية ولا يُرى عند بائعي الأسلحة سوى أسلحة قديمة لا قيمة لها. عبثاً بحثت عن سيف أو خنجر من السقاية القديمة. هذه السيوف تأتي اليوم من خراسان، مقاطعة فارسية، حتى تلك الأسلحة لا تصنع هنا ولا يوجد منها إلاعدد قليل تتلقفه الأيدي مثل الذخائر الثمينة وقيمتها لا تقدر. نصف السيوف الذي أُهدي إليَّ قد كلف الباشا خمسة آلاف قرش. الأتراك والعرب يقدرون هذه النصول أكثر من الماس ويضحون بكل شيء في العالم من أجل اقتناء سلاح كهذا. يطير الشرر من نظراتهم حماسة واحتراماً عندما تقع على نصل سيف فيرفعونه إلى جباههم كما لو كانوا يعبدون آلة للموت كاملة إلى هذا الحد.. ثم يأتي لامارتين على وصف محلات الصياغة وصناعة السروج والصناديق والمأكولات والمطاعم.. وخان أسعد باشا... والجامع الأموي... وأطلال البيت الذي هرب منه القديس بولس... ويتطرق إلى وصف إعصار هائل هب في دمشق وطقسها البارد من جراء الأمطار والثلوج...‏
غادرنا دمشق في الساعة الثامنة صباحاً فاجتزنا المدينة والأسواق المزدحمة بالناس، وسمعنا تذمرات وبعض العبارات المهينة لاعتبار الناس أننا جئنا لدعم إبراهيم باشا. خرجنا من المدينة من باب غير الباب الذي دخلنا منه وسرنا في محاذاة بساتين بديعة في طريق على حافة سيل تظلله أشجار عالية، وتسلقنا الجبل الذي منه أطللنا على منظر دمشق الجميل. وتوقفنا لنتأملها مرة أخرى، ونحمل معنا في أذهاننا صورتها الخالدة. أفهم أن التقاليد العربية تجعل من دمشق مكان الفردوس الضائع. مامن مكان آخر في الدنيا يذكَّر بعدن أفضل تذكير. السهل الواسع الخصب، فروع النهر الأزرق السبعة التي ترويه، الإطار الجبلي المهيب، البحيرات المدهشة التي تعكس السماء على الأرض، المركز الجغرافي بين بحرين، كمال المناخ، كل شيء يدل على أن دمشق كانت على الأقل إحدى أوائل المدن التي سكنها أبناء البشر، ومكان قيلولة طبيعية للإنسانية التائهة في الأزمنة الأولى. إنها من تلك المدن التي كتبها الله بإصبعه على الأرض، عاصمة مقدرة مثل القسطنطينية. إنهما المدينتان الوحيدتان اللتان وضعتا على خارطة الامبراطورية بصورة كيفية بل دل عليهما بصورة لا تقاوم شكل الأمكنة. مادام في الأرض امبراطوريات ستكون دمشق مدينة كبيرة واسطنبول عاصمة العالم. عند مخرج الصحراء وعند انفتاح سهول سورية وأودية الجليل وشاطئ بحار سورية كان لابد من مكان للراحة ساحر لقوافل الهند، إنه دمشق.‏
وألقيت نظرة أخيرة إلى دمشق مع تمنيات قلبية للسيد بودان والأشخاص الطيبين الذين حمونا فيها وسحروا أيام إقامتنا، وما إن خطت خيلنا بضع خطوات حتى توارت عن أعيننا رؤية قمم ومآذنها إلى الأبد أشجارها

الجمعة، 4 يناير 2013

حكاية دمشقية اسمها عماد الارمشي

حكايا الشام ملونة بالوان قوس قزح , مذاقها حلو منوع كاصناف الحلويات الشامية تتنافس بجمال اشكالها , وتحملنا الى اجواء ساحرة هفهافة مضمخة بالياسمين والورد الجوري , ذاكرتها ضخمة ومترامية وتعجز الشرائح الالكترونية عن استيعابها لانها تحمل في طياتها ألق آلاف السنين 
يقول المثل اللاتيني ( المرتل لا الترتيل ) اي المغني لا الاغنية , فالحكايا الجميلة لها رواة عارفين ولهم دراية باحوال رواياتهم ولعل من اروع الشخصيات التي تألقت مع مطلع القرن الحادي والعشرون , بابحاث دمشق , تحقيق الروايات السابقة واخضاعها للمعطيات الجيدة من تطور تقنيات الاطلاع عبر الشبكة العنكبوتية التي ننعم بأفضالها , دراسة التطورات بجهد ميداني لاوابد دمشق من مساجد ومدارس وخانات وتكايا وزوايا دينية , ربط الارمشي بين الماضي والحاضر وقدم ابحاثا متميزة بالوضوح والشمول والامانة التاريخية
كما يضرب الفنان بريشته على اوتار عوده , فيحرك اوتار القلوب ويسمو بالنفوس ,   رقص قلم عماد الارمشي على صفحة الورق ورسم سيمفونيات العشق والولاء والوفاء , وسطر ملاحم دراساته التي بدأها والتي اكملها عن اساتذته مؤرخي دمشق الشام
اختلطت مكنونات العلم والتواضع ونفحات الياسمين التي لانخطىء عبيرها عند بعض الشخصيات الدمشقية , في شخصية عماد الارمشي المؤرخ العاشق الذي لم يحد في ابحاثه عن رباعية ( المباشرة , الدقة , البساطة , الوضوح) فغدت قاعدة لمؤرخي الجيل القادم لهذه المدينة الحية , الدائمة بعشاقها ومريديها
وبعد , هل الام عندما اعتبر ان عماد الارمشي حكاية من حكايا الشام الجميلة
اخيرا وليس آخرا , لم يتثن لي معرفة الاستاذ عماد بشكل شخصي , واسأل الله الا يحرمنا هذا الشرف , واتمنى على الاستاذ عماد ان يجمع دراساته المتناثرة على الشبكة في كتاب او اكثر لما فيه من خير لمحبي هذه الشام

دمشق الشام بعدسة المصورين الاوائل

تراجم لبعض مصوري دمشق قام بجمعها 

 اول صور لمدينة دمشق في اواخر النصف الاول من القرن التاسع عشر



  • مصوروا دمشق وتراجمهم - قام بجمعها وترجمتها مشكوراً الدكتور محمود البحرة

     


    كرابيد كريكوريان Garabed Krikorian
    مصور أرمني ولد في استانبول عام 1847 .
    كريكوريان مع اسرته

    رحل إلى فلسطين إلى القدس حيث انتسب عام 1860 إلى دير سانت جيمس المقدسي للأرمن و هناك تعلم التصوير الضوئي على يد الأب يساي كربيديان ، لكنه فيما بعد غادر الدير ليعتنق المذهب البروتستانتي حيث تزوج عام 1883 .
     أفتتح أول صالة عرض فوتوغرافي في فلسطين .
    استدعي بناءاً على طلب السلطان عبد الحميد الثاني عام 1898 ليغطي زيارة القيصر الألماني فيلهلم الثاني و ذلك منذ وصول القيصر إلى يافا و حتى مغادرته عن طريق بيروت .
    توفي عام 1920 في فلسطين

    فرنسيس فيرت Francis Frith
    ولد فرنسيس فيرت في ديربيشاير في بريطانيا عام 1822 . عمل و اشتهر بالتجارة و الطباعة و اهتم بالتصوير فبرع فيه و أصبح عضو مؤسس لجمعية ليفربول للتصوير الفوتوغرافي عام 1853 ، و في عام 1855 باع فرنسيس كل شركاته ليتفرغ للتصوير الضوئي .

    من عام 1856 و حتى عام 1860 قام بثلاث رحلات تصوير استكشافية إلى مصر و فلسطين و قد ظهرت أعماله بين عامي 1858 و 1865 في لندن عن طريق شركة جيمس س فيرتو و ويليام ماكنزي . أسس شركته التي تخصصت بالتصوير الضوئي عام 1859 و التي أصبحت من أهم الشركات المنتجة للصور في بريطانيا حتى اغلاقها في عام 1960
    توفي فرنسيس في مدينة كان الفرنسية بتاريخ 25/ 2/ 1898

    فرانسيس بيدفورد Francis Bedford:
    ولد فرانسيس بيدفورد عام 1816 بعائلة متواضعة ، حيث كان والده فرانسيس أوكتافيوس بيدفورد مهندساً معمارياً ناجحاً للكنائس ، فيما كان ابن عمه فرانسيس دونكين بيدفورد فنان و رسام للكتب .

    في عام 1854 استدعي لتصوير قطع من المجموعة الملكية في قصر مارلبرو للملكة فيكتوريا . وفي عام 1857 اصبح عضواً في جمعية التصوير الضوئي اللندنية حيث أصبح عام 1861 نائب الرئيس العام للجمعية ونشرت بعض أعماله في صحيفة التصوير الضوئي البريطانية of وأعيد انتخابه مجدداً عام 7818 . تقاعد من الجمعية عام 1886 ليتفرغ للتصوير الضوئي .
    توفي فرانسيس عام 1894 و ترك وراءه أكثر من 2700 نيجاتيف و2000 صورة

    كلوديوس غالين ويلهاوسClaudius Wheelhouse
    ويلهاوس طبيب جراح من مواليد 1826 عرف بكتاباته الطبية الطليعية في مجال التشريح و الفيزيولوجيا كما أنه كان مصور هاو . و من أهم أعماله كانت الصور التي التقطها بين عامي 1849 و 1850 أثناء رحلته البحرية مع اللورد لينكولن على يخت الأخير الخاص "جيتانا" ، حيث جابا العديد من البلدان من اسبانيا و البرتغال و اليونان وحتى بلدان الشرق الأوسط من مصر و فلسطين و سوريا.

    احتفظ بانطباعاته ضمن مخطوط بعنوان "سيرة رحلة بحرية الى المتوسط بين 1849 و1850" غير ان هذا المخطوط لم يطبع إلا في عام 2006 بعد ان عثر الباحث بدر الحاج على المخطوطة والصور ليصدرها في طبعة أنيقة عن دار «فوليوز» للنشر بالتعاون مع متحف التصوير والسينما والتلفزيون في بريطانيا.
    تتألف المخطوطة من 549 صفحة كتبت بخط أنيق مرتب، وهي مقسمة الى ثلاثة أجزاء: الأول يغطي الرحلة من بورتسموث الى البرتغال واسبانيا والساحل الايطالي ومالطا واليونان واستنبول وجزيرة رودوس. والثاني يشمل الرحلة في مصر من الاسكندرية في الشمال الى بحيرات النيل في الجنوب. والثالث الذي يحمل اسم «الغربة وفلسطين» يغطي سيناء والبتراء وفلسطين وسورية.
    توفي ويلهاوس عام 1909

    لويس دو كليرك Louis de Clercq
    ولد في باس دو كاله بتاريخ 25/ 12/ 1836 وينحدر من عائلة ثرية من شمال فرنسا و قد أظهر منذ يفاعته ولعاً بالآثار والمكتشفات الأثرية التي لفتت الأنظار إليها حملة نابوليون فسعى عام 1859 لدى الحكومة الفرنسية لإرساله في بعثة إلى المشرق ليعمل مع غيلوم ري على إنجاز دراسة لقلاع الحملات الصليبية حيث قام هو بتصوير هذه القلاع للأرشفة . استغرقت رحلته أكثر من خمسة أشهر عبر سوريا ليفترق عن ري عند انتهاء المشروع في ربيع 1860 لكنه اكتشف ولعه خلال هذه الرحلة بالرحلات التصويرية فتابع رحلته على نفقته الشخصية إلى اسبانيا عبر القدس و مصر و غيرهما .
    بعد عودته إلى باريس نشر أعماله باسمه ضمن ألبوم من ستة اجزاء (طبع منه خمسين نسخة) أسماه "رحلة في الشرق" احتوى على 222 عمل كان مخصصاً للمشروع الذي عمل عليه مع ري.

    فيما بعد قام بطبع أعماله هذه عدة مرات و كتب عنها أنه أعدها بحكم كونه مسافر مولع بالفن المعماري و أنه قد أعد هذه الصور برحلة على نفقته الخاصة و أنه قد وضع أعماله التي اكتشفها هو تحت تصرف ري لأنها بالصدفة تناسب موضوع بحثه . هذه الألبومات لاقت نجاح رائع لأنها قدمت القلاع كموضوع جديد بحد ذاته لم يتطرق إليه أحد من قبل ، و قد تميزت الصور بإحساس استثنائي بانورامي فريد من نوعه .
    في عام 1861 قدم أعماله كلها للعرض في جمعية الفرنسية للمصورين و في عام 1862 عرضها في لندن .
    توفي عام 1901

    ماكس فرايهير فون أوبنهايم Max von Oppenheim
    من مواليد 1860 ، باحث رحال وديبلوماسي اشتهر بجمع العديد من الشرقيات حيث عمل بالقنصلية العامة الألمانية في القاهرة . كما عمل كباحث للعالم العربي و له يعود الفضل في العمل على حفريات تل حلف في سوريا . عمل في رحلاته العديدة و التي استغرق بعضها سنوات على دراسة مناطق الهلال الخصيب و ما بين النهرين .

    اصطحب أوبنهايم في رحلاته للشرق الأدنى مصورين ضوئيين محترفين ليساعدوه على تصوير البلدان و الناس و الطبيعة و العمارة بأفصل صورة ممكنة حتى أصبح لديه مجموعة من 13000 صورة توصف و توثق الحياة و الثقافة في المناطق التي عمل بها .
    صورة لماكس فون أوبنهايم ..أمام محل النعسان للشرقيات.باب شرقي.

    الوثائق و الصور التي جمعها موجودة اليوم بحوزة أرشيف بنك سال أوبنهايم ج ر و سي في كولونيا و ملكيتها تعود منذ عام 1929 لمؤسسة ماكس فرايهير فون .
    أوبنهايم يكتب تحت الأعمال التي جمعها "ماكس فرايهير فون أوبنهايم" بالأحرف اللاتينية سلج و هذا اختصار كلمة مجموعة بالألمانية .
    تضاف كلمة فرايهير بالألمانية القديمة للتأكيد على الأصل النبيل للشخص مثل كلمة باشا أو بك بالعربية إبان الحكم العثماني.
    توفي عام 1946

    فيلكس بونفيلس Felix Bonfils
    مصور و كاتب فرنسي ولد عام 1831 في سانت هيبوليت دو فورت .

    سكن بيروت عام 1867 مع عائلته حيث أسس ستوديو فوتوغرافي اسماه بيت بونفيلس و الذي سمي فيما بعد "ف. بونفيلس و. سي"  التقط بونفيلس صوراً في لبنان و مصر و فلسطين و سوريا و اليونان و استانبولفي عام 1872 قام بنشر ألبومه تحت عنوان "العمارة القديمة" الصادر عن دار دوشر برس بعد أن
    قدم بعض أعماله لجمعية التصوير الفرنسية و قد كانت أعماله معروفة لدى سياح الشرق الأوسط . فيما بعد أسس ستوديو في مدينة أله في فرنسا
    توفي في أله عام 1885


    تشارلز سكوليكCharles Scölik
    كاتب و مصور نمساوي ، ولد في 16/ 3/ 1854 في فيينا .
    بدأ بتعلم التصوير عام1867 على يد المصور كارل فرابتز  و الكيميائي إيميل هورنيغ ، تسلم فيما بعد ستوديو ف كولر في فيينا حيث سماه معرض أميلي لكنه لم يلبث أن سلمه ليعمل عند المصور المعروف كارل كرو  .
    في عام 1886 أسس معرض في فيينا ألحقه بفرع آخر عام 1900 . كما أدار عام 1885 - 1888 مع فريدريش مالمان مخبر تجارب ضوئي كيميائي

    الصورة بعدسة الكاتب والمصور النمساوي ـ تشارلز سكوليك ( Charles Scölik ) عام 1891 للميلاد

    .
     يعتبر تشارلز سكوليك من مصوري البورترية الأوائل في فيينا في فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى ، كما يعتبر من أوائل المصورين الذين نشروا أعمالهم بالصحف . و يتميز بأنه تخصص أيضاً بتصوير التماثيل و المدن .
    عمل من عام 1889 حتى عام 1893 رئيس تحرير مجلة العرض الفوتوغرافي ، كما ساهم عام 1887 بتأسيس نادي المصورين الفوتوغرافيين في فيينا و أصبح عضواً فيه.
    توفي في فيينا بتاريخ 01.06.1928

    فرانك ماسون جود Frank Mason Good
     ولد في بريطانيا عام 1839 . بدأ سيرته الفنية كمصور مساعد لصديقه المصور فرانسيس فيرت عرف عنه نشاطه بالتصوير الضوئي ما بين عامي 1860 و 1870 حيث كان لديه ستويو في كل من مدينتي لندن و برايتون

    .
    اشتهر بصوره الستريوغرافية للشرق الأدنى حيث كان يصور الأماكن بنفس الوقت بآلتين متجاورتين بما يشبه العينين و لدى النظر لهذه الصور بوضع الأنف في الوسط بين الصورتين يتشكل لدى الناظر إحساس بالأبعاد الثلاثية للمكان ولهذه الصور جهاز يسهل العملية.
    و قد كان صديقه فيرت هو ممول رحلته الأولى للشرق الأدنى
    له أعمال أيضاً عن اسبانيا و اليونان و جزيرة وايت